• ضغطت واشنطن على دول الاتحاد الأوروبي وجعلتها تتبنى موقفها من المقاومة الإسلامية وهي التي دأبت في السابق على اتخاذ مواقف أكثر موضوعية وأكثر حذرًا، ولكن هذا الموقف تغير بحيث طلبت الدول الأوروبية من الرئيس ياسر عرفات تفكيك البنى التحتية للمنظمتين باعتبار ما تقومان به هو نوع من الإرهاب ( ) .
ثامنًا: حقيقة الاتهامات الموجهة ضد المؤسسات الخيرية الإسلامية:
مصدر بعض الاتهامات للمؤسسات الخيرية قد يكون مرجعه بعض التعاملات النقدية سواءً في مجال الإيرادات أو في مجال المصروفات وهو أمر متبع في معظم المؤسسات الأهلية والحكومية في المجتمعات العربية والإسلامية والإفريقية والأسيوية إذ تقتصر المعاملات البنكية على المبالغ الكبيرة فلا يتصور أن تقدم مؤسسة خيرية مساعداتها للفقراء في صورة شيكات بمبلغ 20 أو 50 دولار لكل فرد مثلًا، وهذا أمر متعارف عليه ومتبع لكنه يثير الشكوك وفق معايير النظام المالي الرأسمالي الذي يعتمد بطاقات الإئتمان (credit card) وعليه كان على الأرامل والأيتام والفقراء في المناطق المنكوبة أن يكونوا من حملة هذه البطاقات ومن أصحاب الحسابات الجارية حتى يسهل تحويل مساعدات المؤسسات الخيرية الإسلامية إلى حساباتهم في البنوك.
إن إثارة الشك والريبة في التعامل النقدي في المعاملات المالية أحد تقاليد النظام الرأسمالي الذي لم تعرفه بعد المناطق المنكوبة التي تعمل بها المؤسسات الإسلامية الخيرية، وحتى إذا سملنا بتطبيق تلك المعايير والتقاليد فهل يتم ذلك من خلال التدقيق والمحاسبة أم التشويه والاتهام والإغلاق كما حدث مع بعض المؤسسات الخيرية سواء داخل أمريكا أو خارجها، إن طبيعة كثير من الأزمات والكوارث تفرض التعامل النقدي وقد لجأت إلى هذا الأسلوب أمريكا في حربها في أفغانستان، حينما أسقطت طائراتها العسكرية مبلغ 70 مليون دولار نقدًا وفوق هذا وذاك فإن الكثير من العاملين في الأجهزة المعنية في الإدارة الأمريكية - ناهيك عن الشعب الأمريكي نفسه - ليس لديهم الإلمام والفهم بالتشريعات الإسلامية والطبيعة العربية وما فيها من جوانب الكرم والمؤازرة أو المناصرة للمظلوم والمحتاج دون معرفته شخصيًا فالمسلم لا يطلب هوية من يسأله المساعدة من إخوانه ولا ينبغي له أن يفعل ذلك وتلك من عظمة جوانب الإسلام، وهكذا تتحول الأعمال الإيجابية عند من لا يفهمون الثقافة الإسلامية إلى نظرات سلبية فتجعل البريء متهمًا، ومن له علاقة أو قرابة بمشتبه فيه مصدرًا للتهمة.
كما أن بعض الأفراد قد يكون على علاقة أو ارتباط وظيفي بمؤسسة خيرية مع احتفاظه لنفسه بشكل خاص بعلاقة أخرى بدون ربط بين الأمرين وهذا بالطبع قد يقع كذلك لبعض منسوبي القطاع الحكومي أو القطاع الخاص من خلال تعدد ارتباطاتهم أو أعمالهم.
المهم هو هل هذه التعاملات أو العلاقات التي حدثت من أو مع المؤسسات الخيرية أو بعض العاملين فيها يعد مبررًا لحملات التشهير والاتهامات وتجميد الحسابات أو المصادرات؟، وماذا سيكون من عقاب على أمريكا في أخطاء ضرباتها الجوية على المساجد والمستشفيات والأعراس والاحتفالات والتي كان نصيبها فقط (4000) قتيل أفغاني عن طريق الخطأ؟؟ ( ) ، وهل طبقت أمريكا على مؤسساتها المعايير المحاسبية التي تطالب بتطبيقها على المؤسسات الخيرية الإسلامية؟ (انظر الملحق) ، أم أنه المعايير المزدوجة في كل شيء حتى في لغة الأرقام.
تاسعًا: تدمير أحد الرموز الإسلامية:
يؤكد مسار الحملة أنها وسيلة لتدمير ما ترمز إليه المؤسسات الخيرية الإسلامية فهي القوة الحقيقة لأي دولة إذ أن قوة أي دولة تنبع من قوة مؤسسات المجتمع الأهلية الخيرية بها، فهي خط الدفاع الأول للحكومات والشعوب في سلمها وحربها ولأن المؤسسات تمثل رمزًا من رموز الوحدة الإسلامية والوحدة الوطنية حيث التكافل والتعاون بلا حدود جغرافية أو سياسية ولأنها تثبت وحدة آلام الأمة الواحدة وتداعي بعضها لبعض فأعضاء الجسد الواحد جرى استهدافها.
لقد رأت قوى الظغط الخفية في أمريكا أن المؤسسات الخيرية الإسلامية من عوامل النهضة في دولها ومجتمعاتها وأنها من أشد القوى في رفض العولمة الثقافية والتغريب، وتثبيت الهوية الدينية لأمتها، وأنها حققت من جوانب الوحدة للأمة الإسلامية ما لم تستطع بعض الكيانات السياسية تحقيقه.
فكان العمل علىفصل مؤسسات المجتمع الأهلي ولا سيما الخيري عن ممارسة حقها المشروع في الداخل أو الخارج لأن ذلك سوف يؤدي إلى تحقيق المصالح الأمريكية المتعصبة بإضعاف قوى الدولة والأمة معًا، مثلما أن الحملة على المؤسسات الإسلامية في أمريكا تهدف إلى إقصاء الصوت الإسلامي الذي بدأ يطالب بحقوقه في شتى المجالات حيث لم تسلم منه الحملة حتى المؤسسات الفكرية مثل المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فرجينيا أو المؤسسات التي تركز في عملها على العلاقات والحقوق المدنية مثل: منظمة كير الأمريكية، والحقيقة التي أراها ويراها الكثير أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر بداية لحرب متنوعة وشاملة وإلى ذلك أشار وزير الخارجية الأمريكي (كولن باول) بقوله: إن الحرب أحيانًا تكون عملًا عسكريًا لكنها من الممكن أن تكون عملًا اقتصاديًا أو دبلوماسيًا وماليًا أيضًا ( ) .
وقد عبر المحلل السياسي الأمريكي الشهير (توماس فريدمان) عن هذه الرؤية في مقاله المنشور في نيويورك تايمز حيث قال بالنص: إذا كان تاريخ 9/11 في الحقيقة بداية الحرب العالمية الثالثة، فعلينا أن نفهم ما تقصده هذه الحرب، وعلينا أن لا نكافح لاستئصال الإرهاب .. الإرهاب فقط أداة .. نحن نحارب لهزيمة الأيدولوجية .. التدين الدكتاتوري والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة كانتا صراعًا لهزيمة الحزب العلماني المتطرف، النازية والشيوعية، أما الحرب العالمية الثالثة (الحالية) فهي معركة ضد الحزب الديني المتطرف الذي يفرض على العالم سلطة إيمانية تنفي الآخرين إنها (البنلادنية) نسبة لابن لادن، لكنها على خلاف النازية، فحكم الحزب الديني لا يمكن أن يقاتل بالجيوش وحدها، بل يجب أن يقاتل في المدارس والمساجد والكنائس، والمعابد ولا يمكن أن يهزم بدون مساعدة الأئمة والأحبار والكهنة!! ( ) .
ولسائل أن يسأل، ألا يمكن أن تساهم هذه الأقوال بكشف حقيقة الحملة؟.
نماذج من النتائج العامة
• كشف قوة الحملات الإعلامية: لقد أثبتت هذه الحملة الإعلامية المسعورة بأسبابها ونتائجها أن الإعلام الأمريكي بدعم من رموزه السياسية قادر على تحويل الثوابت إلى متغيرات، والحق إلى باطل، والخير إلى شر، والصواب إلى خطأ، وخاصة في أواسط الضعفاء وما أكثرهم في العالم العربي والإسلامي، وهذا ما يؤكد أهمية تأسيس أمريكا لمكتب (التضليل الإعلامي) ، الذي تم الإعلان عنه من قبل وزارة الدفاع الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ويهدف إلى تزويد القنوات الفضائية الإخبارية ووكالات الأنباء العالمية بمعلومات مغلوطة، وأثار ذلك من خلال حجم الاستجابة أو التصديق أو الشكوك لدى بعض الجهات الرسمية في العالم العربي، بل لقد أدت هذه الحملة الدولية إلى بعض الاستجابات من قبل بعض الدول على الرغم من عدم توجيه أي تهمة أو اشتباه لمؤسساتها الخيرية، إلا أنها اتخذت إجراءات متشددة حيال جمعياتها الخيرية، ولهذه الاعتبارات فإن الأمر يتطلب إعادة النظر في مبدأ التصديق للحملات الإعلامية.