فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 719

وبالطبع لا يتم استخدام هذه الأساليب كلها دفعة واحدة، بل هناك نوع من الترتيب والتتابع الزمني، رغم ما يظهر بينها من تداخل... وهذه التتابعية تمكننا من بلورة هذه الأساليب في مراحل تبين تطور تغلغل العلمانية في مجتمعاتنا، وارتباط ذلك بوجود وانتشار كل من هذه الأساليب:

أولا: المرحلة التحضيرية:"إيجاد النخبة - ترويج الشعارات والمفاهيم".

ثانيًا: المرحلة التوسعية:"الأساليب السابقة+ السيطرة على المؤسسات".

ثالثًا: العلمانية المتأسلمة:"الأساليب السابقة+ علمنة القانون والنظام".

رابعًا: العلمانية الكاملة:"الأساليب السابقة+ تجريم الدعوة".

وهذه المرحلية يدعمها تأمل مزدوج، وذلك باستخدام الزمان والمكان ...فلو أخذنا بلدًا مثل مصر (تثبيت المكان ) وتجولنا عبر الزمان لوجدنا تتابعًا واضحًا لهذه المراحل، وكذا لو رجعنا إلى الواقع (تثبيت الزمان ) وتجولنا عبر المكان فسنجد نفس المراحل متمثلة في المجتمعات الإسلامية .

وبعد ما يزيد على المائة والخمسين سنة من العلمانية في بلاد الإسلام، وبكل ما تضمنتها من تجارب وخبرات وسياسات فشل بعضها ونجح البعض الآخر، تمخض ماضي وحاضر العلمانية عن نموذجين يقدمان لباقي الدول والمجتمعات الإسلامية لمحاكاتهما والسير على نهجهما:

الأول: النموذج التركي.

الثاني: النموذج المصري.

ونقصد بكون ذلك البلد نموذجًا:صلاحيته (الوقتية) لأن تقتبس عنه الدول الأخرى الكثير من سياساته المتعلقة بتطبيق العلمانية، والتعامل مع معارضيها، سواء كان ذلك اقتباسًا كليا أو جزئيا، وسواء كان بالاستيراد النظري أو باستجلاب الخبراء .

والنموذج التركي نموذج قديم: يمثل صانعه أتاتورك زعيمًا ملهمًا لكثير من علمانيي السياسة والمجتمع، فقد كان بورقيبة شديد الاهتمام بتجربة أتاتورك في تركيا، وكتب لابنه في استنبول:"فكرت طويلا بتجربة أتاتورك، وهناك أشياء تؤخذ وأشياء تترك"ولما استولى على السلطة في تونس طلب من أستاذه الفرنسي"روبير مانتران"أن يزوده بكل المستندات التي بحوزته عن فكر أتاتورك ...كما صرح كل من عبد الناصر والسادات في أكثر من مناسبة بافتخارهما بأن أتاتورك مثلهما الأعلى .

وأعظم إنجازات النظام العلماني التركي نجاحه في جعل العلمانية خيار ما لا يقل عن ثلثي الشعب التركي المسلم .

إلا أن النموذج التركي فقد بريقه- في البلاد العربية على الأقل - وأصبح نموذجًا محروقًا بالنسبة لهم وذلك لعلمانيته المتطرفة، التي لا تتناسب مع تنامي المشاعر الإسلامية لدى الشعوب حاليًا، وللحرية السياسية النسبية التي لا تتوافق مع الواقع العربي، بالإضافة إلى عقبة اللغة والفجوة النفسية التي نجح الغرب في إحداثها بين الترك والعرب ..وتقتصر صلاحيته-حاليًا - على تسويقه كنموذج للدول الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق، وان كان ذلك لا يمنع من كونه مصدر إفادة لكل من العلمانيين والإسلاميين على السواء، فيما يتعلق بخبرات المواجهة المستمرة بين السلطة والاتجاه الإسلامي .

أما النموذج المصري: فعلى الرغم من كونه لا يزال مائعًا وغير مكتمل الجوانب، نتيجة التدافع المستمر بين قوى العلمنة من جانب، والإسلاميين ومشاعر الجماهير من جانب آخر، إلا أنه يأتي على رأس قائمة الدول الرائدة في هذا المجال، فبالإضافة إلى عراقة التجربة العلمانية فيه، وتأثير مصر الفكري والثقافي والاجتماعي على الدول العربية، فإنه يستمد رواجه من عدة عوامل:

منها: أنه يرفع شعار الديمقراطية والحريةالسياسية .

ومنها: اتباع سياسة هادئة دؤوبة - بعيدة المدى - في تجفيف منابع التدين، وعلمنة المجتمع والأخلاق .

ومنها: مهادنة المشاعر الإسلامية لتحييد قطاع كبير من الجماهير:"ازدواجية الخطاب".

ومنها: النجاح النسبي لسياستي الاحتواء والإجهاض للعمل الإسلامي .

وتكمن خطورة هذا النموذج في كونه يفتح باب الأمل نحو مزيد من العلمانية، كما أنه يسعى لتكون العلمانية هي خيار الأجيال القادمة، فإن كانت العقبة هي أن الإسلام الآن خيار جماهيري، فإزالتها بأن تكون العلمانية أيضا خيار جماهيري ولكن ...في المستقبل ....!!!!!

نحتاج في بدء الكلام إلى توضيح المعنى المراد من هذا التساؤل , هل معناه أن الجماهير ستختار العلمانية عن قناعة واضحة بأفضليتها في مقابل الإسلام أم ماذا ؟ الواقع أننا لا نتحدث عن وصول الجماهير إلى هذا المستوى المتدني - و إن كان ليس مستحيلا - بل ما نعنيه أن الجماهير تقترب بصورة تدريجية غير مباشرة من ترجيح الخيار العلماني , دون إدراك حقيقي لمعنى العلمانية, فهم أشبه بقطيع يساق وفق رغبة حاكميه إلى وجهة لا يعلمها و لا يدري شيئا عن الطريق إليها , فقط يعلن ساسة القطيع أنهم يبتغون الخير للجميع .

و هذا الاختيار غير المباشر للعلمانية يتم بمسلكين متكاملين:

أولهما: استبعاد مستمر لأحكام الإسلام وآدابه في معظم مجالات الحياة العامة و الخاصة .

ثانيهما: إحلال الأنماط العلمانية في شتى مجالات الحياة ترغيبا و ترهيبا .

و في رحلة الدول الإسلامية من الإسلام إلى العلمانية تبدو ظاهرة للعيان ثلاث دول أو محطات تمثل خلاصة التجربة العلمانية سعيا نحو الجماهيرية, و هي على التوالي: تركيا - تونس - مصر , و الدولتان الأوليان تمثلان مراحل متقدمة حادة التوجه نحو العلمانية, لذا سيكون التركيز على التجربة المصرية باعتبارها تقود الركب العربي نحو العلمانية الكاملة . ولكن نعرض قبلا للموقف الجماهيري من العلمانية في تركيا، وتونس؛ لتكتمل الرؤية، و يتضح التصور.

التجربة التركية: توفرت للعلمانية في تركيا ظروف داخلية و خارجية - يصعب تكرارها حاليًا - مكنتها من الوصول للعلمانية الكاملة في وقت قياسي, و نجحت سياسة أتاتورك في إخراج أجيال من الأتراك اتخذوا من العلمانية دينًا شاملًا , فالدستور التركي ينص على علمانية الدولة، وهذا النص يوافق عليه أغلب الأتراك, و في أحد استطلاعات الرأي عن أكثر الجهات الرسمية حيازة لثقة الشعب حصل الجيش التركي على نسبة لا تقل عن 70%, و معروف أن الجيش هو الحارس المتعصب للعلمانية في تركيا, كما أن تيارات الإسلام السياسي ممثلة في حزب الفضيلة كانت أكبر نسبة تحصل عليها في الانتخابات لا تتعدى 26% , جزء كبير من الناخبين يختار الحزب لنزاهة أعضائه، وأمانتهم و ليس لانتمائهم الإسلامي .

الخلاصة: أن التجربة التركية تمثل إثباتًا لإمكانية تحول الأغلبية إلى الدينونة بالعلمانية في مقابل الإسلام .

التجربة التونسية: رغم علمانية الدستور التونسي, إلا أن تونس تختلف عن تركيا في كونها لا تعلن رفضها لإضفاء أي مسحة دينية على الدولة, بل على العكس يحرص النظام على الاهتمام النسبي ببعض المناسبات الدينية, و تذاع صلاة الجمعة في القنوات الرسمية, و يوضع القرآن الكريم ضمن قائمة الهدايا الرسمية التي يقدمها رئيس الدولة للآخرين, و بخلاف التيارات الإسلامية المقهورة داخل السجون و خارجها, فلا يبدو على الشعب التونسي أنه مستاء من هذا الوضع لدرجة السعي لتغييره, خاصة مع الحديث عن ازدهار سياح و انتعاش اقتصادي في ظل النظام الحالي .

التجربة المصرية: هل الإسلام كمنهج شامل للحياة يمثل خيارًا شعبيًا في الوقت الراهن ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت