لن نستطيع تحديد موقف الجماهير من العلمانية قبل أن نقدم إجابة شافية على هذا السؤال, لذا فالإجابة عليه تحتاج إلى تأنٍ و تفصيل دقيق, فلا يصلح معها الإثبات أو النفي بإطلاق, فهناك اعتبارات متعددة تعطي نتائج متفاوتة حول مستوى التفاعل الشعبي مع الإسلام، ومن هذه الاعتبارات:
اعتبار التمسك بأحكام الإسلام و شرائعه و آدابه و أخلاقه: ولا جدال في أن الإسلام بهذا الاعتبار لا يعد خيارا شعبيا , إذ الغالب على الناس التهاون في أحكام الدين في معظم مجالات الحياة و هذا أمر لا يحتاج إلى إثبات ....
اعتبار طرح تطبيق الشريعة الإسلامية كمطلب أساسي للجماهير من حكامها: و الواقع يخبرنا أن شعار تطبيق الشريعة يطرح كشعار انتخابي دعائي ليس إلا, دون أن يكون هناك إلحاح واضح عليه، فضلًا عن الاستعداد للمناضلة من أجله, كما أن الجهل بأحكام الإسلام يجعل من الصعب على الجماهير التفرقة بين طبيعة القوانين العلمانية و الأحكام الإسلامية .
اعتبار التفاعل مع القضايا الإسلامية و مشاكل المسلمين في أنحاء العالم: ولا شك أن الفتور الشعبي العام الذي تواجه به قضايا المسلمين الساخنة مثل: أزمة الشيشان، وانتفاضة الأقصى يمثل دلالة واضحة على الابتعاد التدريجي للإسلام كمحرك رئيس لعواطف الجماهير ومشاعرها, و رغم ما يقال عن الضغوط الأمنية و الكبت العام, إلا أن المساحة المتبقية للحركة و التعبير تشكو من الفراغ و السكون, و هذا لا يعني صفرية التأييد الجماهيري للقضايا الإسلامية, و لكن هناك فرق بين إثبات الحالة و الحالة الثابتة.
اعتبار الانتماء العام الرسمي لدين الإسلام: و لا إنكار لجماهيرية هذا الاعتبار؛ إذ ليس وراءه إلا الكفر و العياذ بالله, و لكن عندما يدعي الإسلام كل إنسان دون اعتبار لفعله أو قوله, و عندما يدعي أشد العلمانيين حقدًا على الإسلام أنه مسلم, و عندما يلبس أهل الضلالة على الناس أن ما هم عليه من الانحراف لا يتعارض مع دينهم, و عندما تصل الزندقة بهم أن يقولوا للناس: أن ترك منهج الإسلام هو من الإسلام, عندها هل يصبح إثباتًا كافيًا على اختيار المنهج الإسلامي الشامل للحياة أن يقول إنسان أنه مسلم ؟
اعتبار حجم التأييد التصويتي في الانتخابات النيابية و النقابية: والقول بأن ذهاب أناس لا تزيد نسبتهم عن خمس من لهم حق التصويت - جزء كبير منهم من أتباع الحركة الإسلامية - لوضع ورقة مكتوب فيها أسماء مرشحين من التيار الإسلامي في صندوق مقفل كل ثلاث أو أربع أو خمس سنوات , القول بأن ذلك يعني تأييدًا جارفاَ من الشعب للمنهج الإسلامي قول لا نشك في مبالغته, نعم قد يمثل ذلك دلالة على التعاطف العام مع الإسلام من قبل فئات من الشعب, إلا أن هذا التعاطف يتسم بالضعف في جانبين:
الأول: اقتصاره على نسبة محدودة من عموم الشعب, بينما يشوب الغموض موقف الأغلبية السلبية.
الثاني: المؤيدون أنفسهم يقف تأييدهم عند مستوى الصندوق لا يتعداه, فليس لديهم استعداد للمطالبة بحق مغتصب, أو النضال من أجل الحفاظ على حق مكتسب .
وبالتأمل في هذه الاعتبارات يتبين لنا أن أكثرها تأثيرًا في تصوير شعبية المنهج الإسلامي هو اعتبار حجم التأييد للتيارات الإسلامية في الانتخابات التشريعية و النقابية, و على الرغم من ذلك، فالقراءة المتأنية لمستجدات الأحداث لا تبشر بمستقبل مشرق لهذا التأييد, و هو ما سنبينه تاليا .
إذن ...هل تصبح العلمانية خيار الجماهير في المستقبل ؟!!
لا نقول بذلك و لا نتمناه, و لكن الواقع المر لا يطيب بحلو الكلام, و يكفي للتنبيه على عظم الأمر أن نذكر عوامل أربعة تدق نواقيس الخطر لمن يريد أن يساهم في إيقاف سعي العلمانيين الحثيث للصعود بهذه الأمة إلى الهاوية:
العامل الأول: التنامي المتدرج و المستمر لجهود طمس الهوية الإسلامية، و تذويب الثقافة الإسلامية, و تحقيقها نجاحات متعددة في الفترة الأخيرة, و يشكل الإعلام و التعليم ركنين أساسيين في هذه الجهود التي من شأنها أن تؤدي إلى إيجاد أجيال تجهل كل شئ عن الإسلام, و بالتالي تنكمش لغة التخاطب و التفاهم بينها و بين الدعوة الإسلامية لحساب دعاة النهج العلماني, و من ثم يتضاءل حجم الإحساس و التفاعل بكل ما ينتمي للإسلام, و هذا ولا شك من شأنه أن ينقل العمل الإسلامي إلى مرحلة مختلفة تمامًا, و يكفي أن نتأمل نماذج هذه الأجيال في المدارس و الجامعات لنعلم حجم الكارثة المنتظرة .
العامل الثاني: خلو الساحة الفكرية، والثقافية، والسياسية من أي رمز أو فكر أو حركة - حزب ذي جماهيرية ملحوظة- و بخلاف التيارات الإسلامية فلا يوجد أي منافس بمعنى الكلمة, و لكن المؤسف أن الحركة الإسلامية لا تستغل هذا الفراغ، و لا تسعى لملئه بما لديها من الحق ،, بل تعجز أطروحات معظم الحركات الإسلامية عن تحقيق طفرة جماهيرية بعيدا عن موسم الانتخابات, و لن نشعر بخطورة الأمر إلا إذا أفرزت قوافل العلمانيين رموزًا أو أفكارًا أو أحزابًا تتمتع بقدرة على خداع الجماهير و التلبيس عليها, عندها ستزداد الوطأة و نعض أصابع الندم على تفويت الفرصة السانحة, و ما تجربة عبد الناصر عنا ببعيد , فقد استطاع خداع الناس و سرقة عواطف الجماهير و قلب الطاولة على الحركة الإسلامية .
العامل الثالث: اعتماد مبدأ جزئية المشاركة في الانتخابات من قبل تيارات العمل السياسي؛ استجابة للضغوط، و التهديدات الأمنية، و السياسية، وهو سلاح ذو حدين, فهو و إن كان يؤمن للحركة الإسلامية مشاركة مأمونة نوعًا ما , ففي المقابل ينتج عن هذا الأسلوب سلبيات متعددة خاصة على المدى الطويل , منها:
تعظيم حالة الإحباط و اليأس لدى الجماهير المؤيدة؛ لانحسار آمالهم في التغيير عن طريق العمل السياسي في مجرد مشاغبات برلمانية لا تحقق الطموحات المتوقعة, و هذا بدوره يؤثر على قدرتهم النفسية على متابعة التأييد للإسلاميين بنفس المستوى .
إعطاء الفرصة لمن يتهم الإسلاميين بضآلة الحجم وارتفاع الصوت وجودة التنظيم ليثبت صحة كلامه, خاصة مع ضعف الوعي الجماهيري بحقائق الوضع السياسي .
تفريغ الغضب الجماهيري و الإسلامي في مسارات متعرجة تستنزف الطاقة، ولا توصل إلى الأهداف .
العامل الرابع: تتولد مع الأيام و التجارب لدى الجماهير قناعة ذاتية بأمرين متعارضين:
الأول: مصداقية الإسلاميين، و أحقيتهم باستلام الولاية عليهم .
الثاني: يقينهم بصعوبة أو بمجازفة اختيارهم للتيار الإسلامي لما يعلمون من نتائج تترتب على هذا الاختيار مثل:
عدم تمكنهم من قضاء مصالحهم الذاتية عن طريق النواب الإسلاميين لما يتعرضون له من تضييق، وتعسير لأعمالهم من قبل الحكومة العلمانية .
تخويفهم بإدخال البلاد في حالة من الفوضى مشابهة للوضع الجزائري في حالة أقدموا على اختيار الإسلاميين إذا شاركوا بصورة كاملة في الانتخابات النيابية .
شعورهم بعدم قدرة الإسلاميين على تحقيق إنجازات مستمرة، أو ذات بال حتى في حال استلامهم للحكم بصورة مؤقتة, و التجربة التركية ماثلة للأذهان, فحزب الرفاه رغم نجاحه في الوصول للسلطة واعتلائه منصب رئيس الوزراء لم يستطع تحقيق ما كان متوقعًا من إنجازات؛ نظرًا للتضييق الشديد الذي تعرض له من قبل الجيش و الرئاسة و الأحزاب العلمانية, فماذا كانت النتيجة؟ انخفضت بشكل ملحوظ نسبة التأييد الجماهيري له في الانتخابات التالية .