فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 719

لعبت الشعائر دورا هاما في التمايز الثقافي للجماعات. ورغم أن المسيحية شكلت تراجعا في الشعائر الشرقية في تداخلها مع الوثنية الأوربية وتأسيسها لعالمية الدين وفكرة التقدم، فقد ارتبطت إنسانية الإنسان فيها بالعمادة لا بالولادة. الأمر الذي نجده عند العديد من المعتقدات الإحيائية في إفريقيا التي جعلت من وشمها الخاص بطاقة هوية تزرعها على الجسد.. الرغبة في شعيرة متميزة رافقت السيرورة الدائمة للاختلاط الطوعي أو الإكراهي الذي جعل من كل نقاء عرقي أو قبلي أو إثني مجرد أسطورة جميلة يرويها الآباء للأبناء. بهذا المعنى، لم تكن الهوية بنية مغلقة سكونية ثابتة، بل لم يكن بوسع أية جماعة أن تنتمي للعالم دون أن يتغلغل العالم في مقوماتها الداخلية وأن تدغدغ فضوله ببعض الخصائص الخلاقة في وجودها. لعل من الأمثلة الأكثر بلاغة في التاريخ لعملية غسل الدم الدائمة للهوية، التجربة الإسلامية. فقد تحولت من دعوة دينية إلى دولة- مدينة إلى إمبراطورية إلى دين كوني. ذلك بتعبيرات دينية هنا ودنيوية هناك، عبر عمليات انصهار واندماج دائمة في الثقافة والحياة. عمليات ولاء وانتماء وتزاوج وتداخل، كان العنصر المشترك الأساسي بينها المرونة والقدرة على إعادة تمثل صورة الذات، على الأقل في القرون الأربعة الأولى.

الكرامة الجديدة!

لم تكن معجزة أو نعمة إلهية، بل كلمة مشحونة بالمعاني السلبية والانتقاصية هي التي ستتصدر سلّم المفاهيم الصاعدة مع الثورة الصناعية، لتصبح سريعا مصدر الهواجس والتوترات وتعبيرات القلق في الحياة العملية للناس وتكّون سلّم القيم الجديدة بآن. العمل، هذه الكلمة ستنال بركات الإصلاح المسيحي وهدير النضال النقابي والتوسع الرأسمالي وتصبح مصدر التأمل الفكري والأخلاقي."محددة القيم"عند آدم سميث، سبب الحياة الأفضل عند الإنساني فورستييه، العمل هو الجوهر عند تورغوت Turgot ، سيترجم هيغل هذا التحول فلسفيا بالقول أن العمل لم يعد وضعا ماديا خارجا عن الإنسان، ودون علاقة بمصيره الفعلي، وإنما جوهر وجوده. فريدريك إنجلز سيفسر بالعمل نظرية داروين في تحول القرد إلى إنسان. ومهما اختلفت المدارس الفكرية الليبرالية والاشتراكية، فقد شكل العمل قاسمها المشترك الأعلى. بهذا المعنى، طرحت الحضارة الغربية العمل كقيمة عامة وعالمية، لا تتموضع في دين أو دنيا، في مركز أو محيط، في لون أو عقيدة أو إيديولوجية، في جنس أو كون.. ومع إعادة تعريف العمل تمت إعادة تعريف الأفراد وعلاقتهم بالجماعة والدولة.

دخلت الثقافة الغربية الأقوى فكرة الشخص باعتبارها نتيجة لمسار تغيرت فيه أنماط التعرف على الذات مع التغيرات العميقة في التنظيم الاقتصادي والسياسي والرمزي للعلاقات الاجتماعية. بدأ هذا الشخص من جنس الرجال أبيض اللون، أوربي المنشأ، مدني الحقوق في الدولة-الأمة كمشروع تاريخي ترى فيه الأمم الأوربية نفسها باعتبارها المركز، المصدر والمرجع الأسمى للآخر. هذا الآخر نادرا ما استحق مصطلح الأمة الذي تم حصره في الدول"المتحضرة". يذكّر بذلك تايلور في استعراضه لولادة مفهوم الإثنية (3) (من اليونانية فاللاتينية ethnos) الذي تم توزيعه بكرم حاتمي على الشعوب المستعمَرَة. وفي حين تشكلت الأمم الأوربية في عنف اقتصاد السوق والحروب، وجدت"الإثنيات"الجنوبية نفسها في مركز الشك بين شيفرات إن لم تكن دائما قابلة للفك والتفسير، فهي قابلة للتغيير ضمن علاقاتها بمكوناتها والمهيمن الدولي والجوار. لكن مع صور تكلّس تظهر للسطح دور إغلاق تكوين متميز محدد، في عمليات السيطرة وإعادة السيطرة الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية.

إلا أن الحضارة الغربية التي غزت العالم بالبضاعة والمطبعة والمدفع، أو لنقل الثورة الصناعية وعصر التنوير والاستعمار بأشكاله المتتابعة، تعاملت مع هويتها الخاصة باعتبارها الهوية، مع ثقافتها القومية باعتبارها الثقافة الإنسانية، مع عمليات إنتاج المعرفة فيها باعتبارها المعرفة العالمية. من هنا تحولت أشكال تفسيرها لعالمها الخاص إلى صيغ قاصرة عند التعامل مع عوالم أخرى، وتحولت أشكال النضال الفكري فيها إلى إيديولوجيات خارجها.

ليس هناك من ضرورة لتحميل أبو البقاء الكفوي والجرجاني ما لم يجل بخاطرهما وهما يتحدثان عن"الهوية". ولعل الملاحظات الأبرز في الكتابات التاريخية الإسلامية، تلك التي يقدمها ابن خلدون في مقدمته عن دور الوظيفة في أية علاقة اتصال والتحام وتمايز. سواء لغاية الغلبة والسلطان والقهر أو بهدف الدفاع عن الذات.

جمع عصر التنوير في مشروعه التأسيسي بين الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي والتحرر من السحر وإقرار تفوق الإنسان بالمعرفة. قطيعة التنوير مع التاريخ المسيحي الأوربي وظلمات القرون الوسطى اعتمدت مبدأ نهاية عصر الإنسان القاصر. نصبت العقل أسطورة جديدة والمعرفة سلطة قادرة على التعيش، ليس فقط من الإنتاج الفكري والمادي الخصب الذي أطلقت عقاله الثورة البرجوازية-المدنية، بل ومن الظلم و"عنف التحيز"في العلاقة مع الآخر كما يذكّر ميشيل فوكو. سيحاول ماركس إعطاء الاقتصاد صالون الشرف في تفسيره للعالم."المجتمع، يقول ماركس في مخطوطات 1844، -كما يبدو لرجل الاقتصاد السياسي- هو المجتمع المدني، الذي يكون كل فرد فيه مجموعة من الاحتياجات، ولا يوجد بالنسبة للشخص الآخر -كما لا يوجد الآخر بالنسبة له- إلا بقدر ما يصبح كل منهما وسيلة للآخر. فرجل الاقتصاد السياسي ينتهي بكل شيء (تماما كما تفعل السياسة في حديثها عن حقوق الإنسان) إلى الإنسان، أي إلى الفرد الذي يجرده من كل تحديد حتى يصنفه كرأسمالي أو عامل.". (4) الطبقة هي التعبير الأهم للهوية، وصراع الطبقات هو المحدد الأساسي في التاريخ. القوانين الطبيعية للإنتاج الرأسمالي تعانق مجموع مظاهر المجتمع الحيوية، ولأول مرة في التاريخ يخضع كل المجتمع لتطور اقتصادي يكون وحدة.

لا تخلو كتابات ماركس من ازدراء واحتقار لأشكال الانتماء ما قبل الرأسمالية ولو أنها لم تشكل موضوع دراسة له في ذاتها. لنستحضر مثلا هذا التعريج في إسهامه في نقد فلسفة الحق:"يا له من مشهد ! إن التقسيم اللا متناهي للمجتمع إلى مجموعة من الأعراق Rassen التي يعارض بعضها بعضا بكراهياتها السخيفة، بضميرها المؤنب، بضحالتها الفظة، والتي بسبب الموقف الملبّس والمشبوه لكل عرق إزاء الآخر، يعاملها أسيادها، كلها وبلا تمييز، على أنها كائنات مسموح بوجودها، ولو أنهم يلبسون هذه المعاملة أشكالا مختلفة. حتى واقع كون تلك العناصر مقهورة، محكومة، مقتناة، فإنها مجبرة على اعتبار ذلك وإعلانه هبة من السماء!" (5)

باعتباره النقلة الأوربية ثورة جزئية، سياسية فحسب، في مقابل ثورة البروليتاريا الجذرية والشاملة، وضع ماركس أسس المقاومة للنظام الجديد من داخله وخارجه، فليس للطبقة العاملة وطن، ولن تستبدل طبقة بأخرى بل ستؤرخ لنهاية التاريخ الطبقي وبداية التجمع الحر للأفراد.

لم يجد ماكس فيبر عند ماركس ما يرد على أسئلة جوهرية تتعلق بتشكل وتفتت الجماعات القديمة والجماعات المدنية الجديدة. كما أنه لم يعثر على ما يشفي غليله في تكون تجمعات المصلحة في الفصل التعسفي بين ما سمته الماركسية التقليدية بالبنية التحتية والبنية الفوقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت