فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 719

من هنا، يعتمد فيبر في قراءته لصيغ الفعل المفهوم بشكل عقلي أولا، الصيغ التي نسميها اليوم بالعضوية والتي استعمل لها تعبير Vergemeinschaftung. تلك التي تصف العلاقات الاجتماعية المؤسسة على المشاعر الذاتية (تقليدية كانت أو عاطفية) للانتماء إلى صيغة جماعية. وهي تشمل نمطين كبيرين يتضمنان صيغتين للرابط الاجتماعي: الأولى ترتكز على قوة التقاليد من روابط تمر عبر النسب والميراث الثقافي، وتلك الناجمة عن التمايز الجماعي والعاطفي حول شخصية كارزمية، حقيقية كانت أو وهمية.

ثانيا، الصيغ المجتمعية Vergesellschaftung التي تصف العلاقات الاجتماعية المؤسسة على التوافق وتناسق المصالح بشكل عقلاني كقيمة وكغاية. وهي تضم نمطين: 1- العلاقة بالقيم وعقلانية الفضيلة، الأمر الذي يعني توافقا عقلانيا في التزام مشترك. 2- علاقة مرتبطة بوسائل لغاية تفرض نفسها بنفسها كالمصلحة الاقتصادية بالتبادل التجاري أو المنافسة من أجل أوضاع معيشة أفضل والتجمع الطوعي للأفراد للدفاع عن مصالحهم.

كما يوضح كلود دوبار، يتبنى ماكس فيبر أطروحة وجود عملية عقلنة تعطي للشكل الثاني الغلبة على الأول دون أن يلغيه. في هذا النطاق، لا يمكن أن نخرج من ماكس فيبر دون الحديث عن"الأخلاق البروتستنتية وروح رأس المال"، عن زواج العقل والمصلحة بين الزهد الطهراني والمبادرة الرأسمالية: حين يصبح تضييع الوقت أولى الخطايا وأكثرها خطورة، ويشكل العمل الغاية التي حددها الله للحياة.. المهنة هي السبيل لخدمة الرب، ونجاح الشركة علامة قيام بالواجب الديني.. (6) . لعل في هذا التحليل المبكر ما سيعطي صموئيل هنتنغتون المادة الأولية لقراءة متأخرة لهذه الظاهرة في كتابه"من نحن"الذي سنتعرض له.

ستتناول مدارس التحليل النفسي عملية التمايز والهوية الشخصية في المجتمع الغربي. إلا أن نوربرت إلياس سيأخذ حيزا هاما في تناول ظاهرة الهوية في الثقافة الغربية المعاصرة.

يقوم تحليل إلياس على"هوية نحن-أنا". لا يوجد هوية أنا بدون هوية نحن، والهوية لا تخرج عن عملية تاريخية وحضارية تنتقل بالبشرية من الهيمنة الشمولية للنحن إلى حالة متقدمة للتفرد. فالمجتمع يتكون من ممارساتنا وعلاقاتنا المتبادلة، وإن لم تكن هذه العلاقات"حرة"، فهي ليست قوى طبيعية. لا يوجد الفرد إلا في مجتمع، ويتوقف التفرد على نمط التنظيم الاجتماعي. لذا يجب القطع مع منطق الجواهر المعزولة والانتقال لتأمل حول العلاقات والوظائف."سيرورة الحضارة"هي التعبير الذي سيعبر معه إلياس عما يسميه"سيرورة التفريد"التي تنتقل بالبشر من الأشكال الأولى لتمايز الجماعات على أساس روابط الدم والدين واللغة والتقاليد. وإن تبدو معطيات ما قبل الحضارة الغربية المعاصرة غير واضحة المعالم والدلالات، فحسب إلياس مركزة السلطة في دول من نمط جديد يفترض احتكار العنف الشرعي وجمع الضرائب من قبل أمراء صاروا رؤساء دول. سيجعلهم يبتكرون المراقبة الذاتية على النفس كوسيلة تضمن سلطانهم. بحيث ترافقت العملية السياسية بتحولات نفسية بالغة الأهمية: الحصر الداخلي المتصاعد للعواطف والتحول من العدوانية الموجهة للخارج إلى دفع موجه نحو الداخل. ويعود التشكل البطيء للأنا النفسية كموضوع أخلاقي إلى الصعوبات التي رافقت تشكل الدولة الحديثة. هنا يجري الحديث عن المركزة السياسية والتعقيد في الأوضاع الاجتماعية والكثافة المادية والأخلاقية في المجتمع باعتبارها جزء لا يتجزأ من ولادة معتقدات جديدة فلسفية ودينية.

لقد فرضت الدولة-الأمة نفسها بالتدريج كصيغة غالبة للنحن المجتمعية في أوربة. وتمتع صعود الفكرة القومية بشرعية متصاعدة للهوية القومية باعتبارها الصيغة السائدة للهوية منذ القرن الثامن عشر حتى القرن الماضي. لم تتشكل عملية"الوعي"القومي دون مخاضات مؤلمة في السيف والوعي. إلا أنها وبقدر ما كانت تتبلور في إيديولوجيات بقدر تركت الباب مفتوحا أمام كل تعبيرات التطرف. فباسم القومية الأكثر"نقاء"وعنفا وشمولية سترتكب جرائم ضد الإنسانية بشكل لا سابق له في التكثيف المكاني والزماني في حربين كونيتين. إلا أن مسيرة الدول منذ منظمة الأمم المتحدة تتوجه نحو (نحن) معولمة. الإنسانية كانتماء مشترك، مترافقة بتعزيز المطالب الإثنية والقومية والدولانية والاعتقادية: (نحن) محلية منظمة في دولة شرعية أو جماعة ثقافية. و (أنا-بالجمع) تتميز عبر جماعتها الثقافية أو المحلية. يبقى أن مصدر الخوف يكمن في تلك الاستمرارية الضمنية، في الثقافة الغربية لتمثل النحن والآخر في منظومة تمايز وتفاضل تشكل بالضرورة عنصرا في تعزيز أشكال الانتماء المحلية باعتبارها وسائل دفاع ذاتية. نوربرت إلياس يتناول هذه المشكلة في كلمة"المتحضر"في التاريخ الأوربي:

"نحن من جهة، البرابرة من جهة أخرى (قبل المسيح) ،"

المسيحيون من جهة، الوثنيون من جهة أخرى (قبل الهرطقة الدينية) ،

المتحضرون من جهة، وغير المتحضرين من جهة أخرى (منذ 1530) ،

الحداثيون من جهة، والتقليديون القدامى من جهة أخرى (منذ 1830) ،

الجماعة تحمي نفسها دائما بنوع من التفوق الذاتي في تحديدها"."

عودة إلى المنسيين

القبيلة، الاثنية، الدولة والدين كلها كانت عوامل فبركة وإنتاج لهويات امتلكت قوة التواجد على اختلاف الامتداد في الزمان والمكان. ولا يمكن الحديث عنها باعتبارها أنماط صافية للجماعات البشرية. فالهوية أيضا سيرورة وبالتالي أزمات. تتكون الهوية عبر أزمات وليس العكس، كونها حركة تتكون عبر الأزمات. بالتالي، ورغم أن أساسها المفهومي قائم على الثبات، فهي في تغير دائم، سريع، أم بطيء، بعوامل ذاتية أو خارجية لا يهم. المهم هو أن عمق أي شعور بالهوية قضية نسبية في المطلق. وفكرة الجمود في الهوية، التي قادت اليسار التقليدي للخوض في مواجهة نظرية وسياسية بين الحرية والهوية، المواطنة والانتماء، النحن والآخر، هي ابنة أحكام مسبقة وثنائيات تحتضر لم يعد لها من معنى إلا لتفسير واقع إيديولوجي نمطي صنعه المثقف والسياسي.

في حين تشكلت الهوية القومية في عملية إعادة تكون داخلية للدولة والمجتمع، كانت الهوية القومية في العالم العربي وليدة ظروف أزمة، بل لنقل بدقة أكثر حالة اغتصاب. لقد جرت محاولة القطيعة مع الأنموذج العثماني في ترجيح للمفهوم الغربي لا في تشجيع لإمكانية استنباط محلية تنجم عن فك الاستعصاء التاريخي. لنأخذ مثل الجنسية والنقابات والمحاكم، لم يجر هضم كاف لهذه المؤسسات في مجتمعاتنا، وبالتالي بقيت بعيدة عن الإحساس الشعبي ومصطنعة بالنسبة للكثيرين. كما ولم يمتنع البعض عن رهن وجودها والتخلص منها بالمستعمر مهما كانت محاسنها. بدون كمال أتاتورك قطعت مجتمعاتنا مع العديد من الهياكل التاريخية من فوق حتى في غياب كوادر مؤهلة لذلك. الأمر الذي يذكرني بأحزاب معاصرة ومنظمات غير حكومية تتحدث عن انتخابات ومراقبة انتخابات وليس لديها العدد الكافي لمراكز الاقتراع في مدينة واحدة، وتطالب بسلطة البروليتاريا في بلد لم يدخله التصنيع بعد. الأمر الذي خلق فجوة بين المؤسسة الحديثة والمجتمع. باعتبار هذه المؤسسات لا تلتقي في القراءة العفوية الأولية مع مصالح الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت