وخلَفُه على هوية تونس الإسلامية والعربية ، وهو ما ولَّد صراعًا دائمًا بين صنائع
فرنسا وأتباع الثقافة الغربية من عناصر الحزب الحاكم وأحلافه من اللائكيين
(العلمانيين ) والفرنكفونيين ، وبين أصحاب التوجه العروبي الإسلامي ممثلًا في
قدامى خريجي الزيتونة وأصحاب التيار الإسلامي على وجه الخصوص . فما هي
أبعاد هذا الصراع ؟ ومن هم أطرافه ؟ وما هي النتائج القريبة المترتبة على هذا
الصراع ؟ وما هي يا ترى الآفاق المستقبلية لصراع الهوية بتونس ؟ وإلى أين يتجه
مسار هذا الصراع ؟
أبعاد صراع الهوية في تونس:
لقد طالت الحرب التي شنها بورقيبة على الهوية الإسلامية لتونس جميع
النواحي القضائية والاجتماعية والثقافية والتعليمية والسياسية في المجتمع التونسي ؛
وساعده في ذلك كل ما تخوله له سلطته الدستورية من سَنِّ القوانين وإصدار
المراسيم والتوجيهات مستفيدًا من الآلة الإعلامية الرهيبة للدولة الناشئة ، فاستطاع
بذلك أن يحقق ما عجزت فرنسا عن تحقيقه خلال مدة استعمارها للبلاد التونسية ،
وكان من أبرز ملامح هذه الحرب ما يلي:
1 -إصدار مجلة الأحوال الشخصية التي اشتملت فيما اشتملت على تحريم
تعدد الزوجات ومعاقبة من خالف ذلك بالسجن . وقد أصدر بورقيبة هذا القانون
متذرعًا بحرصه على تحرير المرأة التونسية وردِّ الحقوق إليها وإنصافها من جور
الرجل وظلمه ؛ إذ « إن تعدد الزوجات يسيء إلى كرامة المرأة وعنفوانها ، ويجعل
منها ذليلة لا تهدف إلا إلى إرضاء زوجها خوفًا أن يتحول عنها إلى امرأة
أخرى » [3] على حد زعمه . فهل مَنْعُ تعدد الزوجات على ما فيه من مخالفة
صريحة للشريعة الإسلامية يهدف إلى إصلاح ما فسد من أحوال الأسرة التونسية ،
أم أن له دلالات أخرى ؟ يجيب عن هذا السؤال بوضوح د . محمود الذوادي
بقوله: « فالتشريع الجديد يشير إلى مجلة الأحوال الشخصية يشير بالبنان إلى
انجذاب القيادة البورقيبية إلى روح القوانين الغربية من ناحية ، وعدم مصالحتها
على الأقل مع روح الفقه الإسلامي التقليدي غير الاجتهادي من ناحية أخرى ،
ومن ثم فإصدار قانون منع تعدد الزوجات لا ينبغي أن يفهم على أن تحرير
المرأة التونسية هو الهدف الأول والأخير منه ، بل يجوز الافتراض بأن القصد
الرمزي لهذا التشريع يتجاوز ذلك ؛ فيمكن النظر إلى هذا التشريع على أنه يمثل
محاولة تقريب تشريعات المجتمع التونسي من تشريعات المجتمعات الغربية من
جهة ، وإبعادها قدر المستطاع عبر الرموز التشريعية عن الانتماء الإسلامي من
جهة أخرى » [4] وهكذا فتشريع منع تعدد الزوجات فيه أكثر من رمز ، وبالتعبير
السوسيولوجي: هناك رمز ظاهر ، ورمز خفي . فالظاهر يرمز إلى الرفع من
مكانة المرأة الاجتماعية ، والرمز الخفي يتمثل في إدانة الدين الإسلامي الذي يتخذ
موقفًا مختلفًا عن الغرب بخصوص مسألة إباحة تعدد الزوجات « [5] ويعلق على
ذلك الشيخ محمد الهادي الزمزمي بقوله: » إن تذرع بورقيبة في إصداره هذا
القانون بحرصه على تحرير المرأة وضمان حقوقها مثلما يدعي ذريعة كاذبة ؛ فلم
تكن هذه المجلة إلا نكبة على المرأة خاصة وعلى الأسرة التونسية عامة . والحق
أن هناك مقاصد متعددة من وضع هذه المجلة:
* مصادمة الشرع الإسلامي بتقرير نصوص قانونية مخالفة للشريعة .
* التبجح بحقيقة مساواة المرأة بالرجل بما يوهم وقوع حيف من الإسلام عليها .
* الطعن في صلاحية الشرع الإسلامي للحكم بما يسوِّغ استبعاده والتخلص
منه .
* إخضاع الأسرة التونسية تدريجيًا للقانون الوضعي لئلا يبقى للشريعة نفوذ
في المجتمع التونسي لا على الأفراد ولا على الجماعة .
* إعادة صوغ الأسرة التونسية ومن ثم المجتمع التونسي على النمط الغربي .
* ضرب الهوية الإسلامية للمجتمع والأسرة التونسية .
*إظهار الإسلام بمظهر ظالم للمرأة [6] .
2 -إلغاء المحاكم الشرعية وتوحيد القضاء بموجب القرار المؤرخ في 25
سبتمبر 1956م ونشره بالجريدة الرسمية للجمهورية التونسية عدد 77 ، وبذلك
يكون بورقيبة قد نجح في تحقيق ما عجزت فرنسا عن تحقيقه بإلغائه للقضاء
الشرعي واستبداله بقضاء وضعي مدني .
3 -خطاب بورقيبة الشهير الذي ألقاه في مؤتمر المدرسين والمربين بمناسبة
الملتقى الدولي حول الثقافة الذاتية والوعي القومي المنعقد في مارس 1974م ،
والذي نال فيه من شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، واتهم فيه القرآن
بالتناقض ، ودعا فيه إلى تسوية الرجل بالمرأة في الميراث ، وادعى لنفسه فيه حق
تبديل أحكام الله وتطويرها بحسب تطور المجتمع وتطور مفهوم العدل ونمط الحياة
باعتباره من حق الحكام بوصفهم أمراء المسلمين على حد زعمه ؛ مما أثار عليه
حملة واسعة النطاق من علماء المسلمين في العالم العربي والإسلامي حكمت بكفره
وردته ، وطالبته بإعلان التوبة أو تكذيب ما نسب إليه في وسائل الإعلام العامة ،
ولكن بورقيبة لم يعبأ بهذه النداءات ورمى بها عُرض الحائط . وسِجِلُّ بورقيبة
حافل بحربه الشعواء على الإسلام وأهله وتعديه على شعائر الإسلام ومظاهره العامة
واستفزاز مشاعر المسلمين والنيل من الهوية الإسلامية لتونس منذ أن أعلن صراحة
أن الإفطار في رمضان من مقتضيات التنمية وزيادة الإنتاج القومي ، ومنذ أن حظر
لبس الحجاب وارتداء اللباس الشرعي على التلميذات في المعاهد والثانويات
والجامعة وعلى الحرائر من النساء في الإدارة العمومية ؛ حيث اعتبر الزي
الإسلامي زيًا طائفيًا منافيًا لروح العصر وسنَّة التطور السليم . كما اعتبر سُنَّة
إرسال اللحى مظهرًا من مظاهر التخلف الذي لا يليق بمظهر المواطن التونسي كما
يريده محرر تونس وزعيمها الأوحد . كما اختار بورقيبة منذ فجر الاستقلال يوم
الأحد يوم العطلة الأسبوعية في الدوائر الحكومية ؛ بينما اعتبر يوم الجمعة يوم
عمل حتى الواحدة ظهرًا ، وقد شاع لدى شعوب العالم ارتباط يوم عطلة آخر
الأسبوع بهوية هذه الشعوب الثقافية والدينية ؛ فيوم السبت يوم عطلة لليهود ، ويوم
الأحد يوم عطلة للمسيحيين يمارسون فيه طقوسهم الدينية ويؤمُّون فيه الكنائس ودور
العبادة ؛ وكأنما أراد بورقيبة بذلك محق الهوية الإسلامية لتونس وبث روح الانتماء
إلى المجتمع الغربي النصراني .
ولقد تعددت مظاهر التعدي على الهوية الإسلامية في تونس في العهد
البورقيبي بما لا يمكن حصره في مقال مثل هذا ، والسؤال الجوهري الآن هو:
هل اقتصر الأمر على شخص بورقيبة وعهده البائد ، أم أن الأمر تعداه إلى غيره
من رجالات تونس وأصحاب القرار فيها ؟
محاربة الهوية الإسلامية بعد بورقيبة:
والحقيقة أن بورقيبة استطاع أن يربي جيلا كاملًا من حَمَلة الفكر العلماني
(اللائكي ) وبوَّأهم من تونس مكانًا عليًا ؛ فلقد ازدادت الحرب على الهوية الإسلامية
لتونس ضراوة في العهد الجديد ، وتعدد رموزها ، وتنوعت أشكالها بتحالف التيار
الماركسي مع رموز الحزب البورقيبي الحاكم في مواجهة التيار الإسلامي الصاعد
ممثلًا في حركة النهضة التونسية . ومن ملامح هذه الحرب المستعرة ما يلي:
1 -في المجال التعليمي والتربوي: بادر بورقيبة منذ أيام الاستقلال الأولى
إلى غلق جامع الزيتونة بوصفه مؤسسة تربوية عريقة ؛ حيث أغلقت المدارس
الثانوية التابعة للزيتونة بأنواعها منذ منتصف الستينيات ، وتحولت الجامعة
الزيتونية العريقة إلى كلية تابعة لجامعة تونس الحديثة ، كما أرسى بورقيبة سياسة
التمييز الثقافي بتهميشه لأصحاب التكوين الثقافي العربي والإسلامي من خريجي