الزيتونة والجامعات الإسلامية في المشرق العربي وإقصائهم من الوظائف الكبرى
في الدولة ، ولقد استمرت سياسة الإقصاء هذه في العهد الجديد بحدة أكثر ؛ حيث تم
تسريح كل من يُشَكُّ في تدينه من الوظيفة العمومية في المواقع الحساسة في الدولة ،
وشُكِّلت للكثير منهم محاكم وهمية ، وزج بالكثير منهم في غياهب السجون ، وتم
العمل بقانون ( 108 ) سيئ الذكر ، فطرد بمقتضاه العديد من الموظفات من
الوظيفة العمومية ، ومنعت الفتيات من الالتحاق بالمدارس والمعاهد والجامعات
لارتدائهن للباس الشرعي ، بل حُرِمَ بعضهن من الاستشفاء في المستشفيات العامة
لتمسكهن برداء الحشمة والحياء ، كما تم إجراء تعديلات عديدة على منهج التربية
الإسلامية ، وتم إقصاء العديد من المدرسين من مواقع التأثير والتربية .
2 -في المجال الثقافي والإعلامي: وقد تميز العهد الجديد في حربه على
الهوية الإسلامية لتونس بالتمكين في المجال الثقافي لعناصر التيار الماركسي
الإباحي مما شاع معه إنتاج وعرض أفلام خليعة لا تمت إلى الحياء بصلة مثل فيلم:
« عصفور فوق السطح » الذي عرضت فيه أجساد النساء عاريات بلا حياء ،
وعرض فيه مؤدب القرآن الكريم في مشهد يدعو إلى السخرية والاستهزاء ، إلى
غير ذلك من الأفلام الخليعة المحلية والمستوردة فضلًا عما تزخر به القناة التلفزية
من صنوف الرقص الغربي بأنواعه وتشكيلاته المختلفة .
3 -في المجال السياسي: على الرغم من أن الدستور التونسي حدد في أول
بنوده هوية تونس الإسلامية العربية بقوله: « تونس دولة مستقلة ، دينها الإسلام
ولغتها العربية » أي أنه حدد انتماء تونس إلى العروبة والإسلام لا كما أراد لها
بورقيبة أن تكون في مصاف الدول الغربية العلمانية متنكبة لدينها الإسلامي وأصلها
العربي . ولقد درج الحزب الحاكم في عهد بورقيبة كما في عهد الرئيس الحالي
(بن علي ) على تجريد تونس من هويتها الإسلامية ، ومن دلالات ذلك في المجال
السياسي في العهد الجديد ما ورد في وثيقتيْ: قانون تنظيم الأحزاب السياسية
الصادر في 3 مايو 1988م وخطة تجفيف المنابع ؛ فقد جاء في الفصل الثالث من
القانون المذكور: « لا يجوز لأي حزب سياسي أن يستند أساسًا في مستوى مبادئه
أو أهدافه أو نشاطه أو برامجه على دين أو لغة أو عنصر أو جنس أو جهة » [7] ،
فقطع بذلك الطريق على أصحاب التوجه العروبي والإسلامي في تونس من أن
يكون لهم دور في بناء مستقبل تونس السياسي أو حتى المساهمة في الحياة السياسية
بوجه عام بتحريمه الاستناد إلى الدين واللغة على مستوى المبادئ أو الأهداف أو
البرامج أو الأنشطة بينما فتح الباب واسعًا لأصحاب الأفكار اللائكية ( العلمانية )
والبرامج المستوردة من الشرق الشيوعي والغرب النصراني من الشيوعيين
واللادينيين مما مهد لولادة تحالف قوي بين الحزب الحاكم والعناصر الشيوعية
المنبثة في مؤسسات الحزب وهيئاته العليا .
أما عن خطة تجفيف المنابع:
فحدث ولا حرج ؛ فقد تكونت هذه الخطة من شقين: يتجه شقها الأول إلى
استئصال الإسلاميين باعتبارهم رأس الحربة ، فيما يتجه الشق الثاني إلى تجفيف
منابع الدين باعتباره الرافد الأساسي لبروز أي حزب سياسي ذي توجه إسلامي في
المستقبل القريب أو البعيد ؛ ولسان حالهم يقول: « إن جعل الدين برنامجًا سياسيًا
لأحد الأحزاب يؤدي بالضرورة في حال نجاح هذا الحزب إلى تطبيق تعاليم الدين
بحذافيرها » [8] فهم عندما يمنعون قيام حزب سياسي على أساس ديني فإنما
يستهدفون تعطيل تطبيق تعاليم الدين ؛ لأن نجاح هذا الحزب سيؤدي إلى تطبيق
تعاليم الدين بحذافيرها على حد قولهم .
وهكذا يتضح من هذا العرض المختصر أخطار هذه الحرب المستعرة على
هوية تونس الثقافية منذ فجر الاستقلال وحتى يوم الناس هذا ، منذ أن أشعل
بورقيبة فتيلها والحرب مستمرة بلا هوادة وطرفاها: أقلية فرنكفونية علمانية متنفذة
تمسك بزمام السلطة ومقدرات الدولة تعضدها العناصر الماركسية اللادينية المتحالفة
معها من جهة ، والشعب التونسي العربي المسلم ممثلًا في قدامى خريجي الزيتونة
وخريجي الجامعات الإسلامية بالمشرق العربي من أصحاب التوجه الوطني العروبي
الإسلامي تعضدهم ثلة من شباب الصحوة الإسلامية المباركة في تونس من جهة
أخرى . فما هي يا ترى النتائج القريبة لهذه الحرب ، ومن الخاسر فيها والمنتصر ؟
النتائج القريبة لصراع الهوية بتونس:
من البدهي أن يكون لكل حرب ضحايا وقتلى وجرحى ومغانم أيضًا ، ومن
البدهي أيضًا أن تحسم المعركة في نهايتها لصالح أحد الطرفين المتصارعين:
فمنتصر ، ومنهزم .
لقد هب الشعب التونسي مدافعًا عن هويته العربية والإسلامية في أكثر من
مناسبة في عهد الاستعمار الفرنسي كما في عهد الاستقلال ، ومن المعارك التي
خاضها التونسيون أثناء حرب التحرير وكانت ذات صلة رمزية بصراع الهوية:
مقاومة حركة التجنيس ، ومعركة الزلاج [9] دفاعًا عن الوقف الإسلامي ،
والانتفاضة ضد مؤتمر الصليبية الإفخرستية [10] ، وقد سقط في هذه المعارك مئات
الشهداء وآلاف الجرحى والمعتقلين دفاعًا عن الهوية الإسلامية لتونس . ويتكرر
المشهد نفسه في الحرب المستعرة منذ فجر الاستقلال وحتى عهد التغيير ، حيث
سقط مئات الشهداء وغصَّت السجون بالأحرار من سجناء الرأي ولا زالت ، وشرد
العديد من الوطنيين الإسلاميين لا لشيء إلا لتمسكهم بدينهم وهويتهم الإسلامية ؛
حيث أصبح من النادر جدًا أن تخلو دولة من دول العالم الفسيح بقارَّاته الخمس من
لاجئين سياسيين تونسيين .
ورغم ضراوة المعركة وكثرة الخسائر في صفوف المدافعين عن الهوية
الإسلامية لتونس فقد أعقبت هذه المعركة وعيًا دينيًا وسياسيًا واسعًا في أبناء الشعب
التونسي لم يمنع من ظهورها سوى بطش السلطة وعنفها المسلط على كل من تخول
له نفسه التعبير عن هويته السياسية .
هذا مشهد لواقع الحال يحكي صورًا من صور صراع الهوية في تونس ؛ فهل
يا ترى سيبقى الوضع على حاله أم يتبدل ؟ وما هي الاحتمالات الممكنة لمستقبل
صراع الهوية ؟
مستقبل صراع الهوية في تونس:
بقاء الحال من المحال كما يقال ، ثم إن الأمة الإسلامية تشهد اليوم تحولا
كبيرًا في تركيبتها الثقافية والاجتماعية يتجه نحو مزيد من التمسك بدينها والاعتزاز
بعروبتها . لقد أيقظت الحروب الأخيرة في أفغانستان و البوسنة والهرسك
وكوسوفو و الشيشان والاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على المقدسات الإسلامية
والشعب الفلسطيني الأعزل ، أقول لقد أيقظت هذه الحروب في الشعوب الإسلامية
روح التمسك بدينها وثقافتها وهويتها الإسلامية ، كما أن إخفاق التجربة الشيوعية
وانكسارها في الوطن الأم روسيا أسقط أسطورة الفكر الماركسي المخلّص للشعوب
المضطهدة من نير البورجوازية المستبدة وجور الأنظمة الظالمة ، أضف إلى ذلك
إخفاق الثورة القومية التي رافقت حرب التحرير في الوطن العربي واعتَلَت سدة
الحكم في أغلب البلاد العربية في توفير الأمن والاستقرار والتنمية والعزة والكرامة
للشعوب العربية ؛ بحيث لم يبق أمام هذه الشعوب من سبيل سوى العودة إلى دينها
والتصالح مع هويتها ، كما لم يبق أمام الحاكمين بأمرهم في بلاد العرب من سبيل
سوى سبيل التصالح مع شعوبهم على أساس احترام ثوابت الأمة وحفظ الدين واللغة ؛
وهو أمر قد تنبهت إليه العديد من الأنظمة الحاكمة واستجابت له من خلال
استيعابها الاتجاهات الإسلامية المعتدلة كما هو الحال في بعض الدول العربية