فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 719

وغيرها من الدول الإسلامية ، بينما بقي النظام التونسي يراوح مكانه مشكِّلًا حالة

من الاختناق السياسي بإقصائه للمعارضة السياسية الجادة بكل أطيافها الإسلامية

والعروبية ، بل وحتى العلمانية التي لا تتفق معه في طرحه الديمقراطي المزيف ،

مثل هذا الوضع لا يمكن أن يستمر ، بل لا بد أن يشهد انفراجًا ما عاجلًا أم آجلًا

لأن العالم أصبح عبارة عن قرية صغيرة في ضوء نظام العولمة الجديد وفي ضوء

التقدم التقني الهائل في مجال وسائل الإعلام والثورة المعلوماتية التي أفضت إلى

ظهور القنوات الفضائية العابرة للقارات ، وشبكة الإنترنت المفتوحة على العالم

بأسره ؛ فلم تعد الأنظمة الحاكمة قادرة على تضليل شعوبها وتأطيرها على الطريقة

التي تريدها ، ولم يعد للدجل والكذب الإعلامي المحلي من مجال ؛ بل إن كثيرًا من

الشعوب أشاحت بوجهها عن وسائل الإعلام المحلية لتستقي المعلومات عن واقعها

السياسي المحلي من القنوات الفضائية الأجنبية ، وهذا يعني زيادة مطالبة الشعوب

لحكامها بمزيد من الشفافية والوضوح ومقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل ، ولم

تعد هذه الشعوب ترضى من حكامها بغير ذلك . ونظرًا لأن هذه الشعوب في

مجموعها شعوب مسلمة تعتز بإسلامها وعروبتها فإن المرء يستطيع أن يتنبأ بأن

صراع الهوية سيحسم بلا شك في القريب العاجل لصالح الهوية الحقيقية لهذه

الشعوب ، وما على النظام التونسي وأشباهه في البلاد العربية إلا الاعتراف

بالهزيمة في هذه المعركة المستعرة منذ أربعة عقود من الزمن ، وبعبارة أخرى:

فما على الحزب الحاكم في تونس إلا أن يتكيف مع نتائج المعركة والاعتراف بهوية

تونس الإسلامية والعربية ، والتصالح مع أصحاب التوجه الإسلامي والعروبي ،

وفتح أقدار من العمل السياسي المشترك لكل التونسيين دون إقصاء أو مغادرة

الساحة السياسية ، مختارًا أو مضطرًا إن عاجلًا أو آجلًا .

الموقف من صراع الهوية:

على الرغم من أن صراع الهوية أشعل فتيله الرئيس الهالك الحبيب بورقيبة

انطلاقًا من تكوينه العقائدي والثقافي الغربي ، وربما كانت تلك استراتيجيته الحقيقية

في سلخ المجتمع التونسي من هويته الأصلية وإلحاقه بركب الحضارة الغربية ؛ إلا

أن الأمر يختلف إلى حد ما بالنسبة للرئيس الحالي بن علي ؛ إذ إن الخلفية الخفية

لصراع الهوية فيما أعتقد هي خوفه المتنامي من صعود نجم التيار السياسي

الإسلامي ممثلًا في حركة النهضة أن تستولي على السلطة في تونس عبر الاقتراع

النزيه وعبر آليات الديمقراطية الحقيقية خصوصًا بعد ظهور نتائج الانتخابات

البرلمانية في سنة 1989م التي فاز فيها التيار الإسلامي فوزًا ساحقًا عبرت عنه

السلطة في حينها بحصوله على نسبة 30% من مجموع أصوات الناخبين ، فكان

لابد من وضع حد لهذا الخطر الداهم وتهميشه واستئصاله ؛ فكانت خطة تجفيف

المنابع التي صادفت هوى وحقدًا دفينًا لدى العناصر اليسارية في الحزب الحاكم ،

ورغبة ملحة لديهم في استئصال كل ما يمت للإسلام بصلة .

ملاحظات على صراع الهوية:

وبقطع النظر عن أوجه التشابه والاختلاف بين الرئيسين ؛ فإن التطورات

الأخيرة في العالم التي رافقت الثورة المعلوماتية والنظام العالمي الجديد ليست في

صالح دعاة التغريب والحرب على الهوية الإسلامية ، كما أسلفت ، وأريد أن أختم

هذا المقال بذكر بعض ملاحظاتي عن صراع الهوية في تونس:

1 -على الرغم من أن صراع الهوية فُرض على الشعب التونسي فرضًا من

طرف الرئيس الراحل بورقيبة ؛ فإن استجابة الصحوة الإسلامية المباركة للدفاع

عن هويتها اتسمت بالعمومية وعدم التمييز بين الأعداء الحقيقيين للهوية الإسلامية

وأصحاب المصالح والمنتفعين السائرين في ركب بورقيبة ؛ لا موافقة له في حربه

على الإسلام والمسلمين ، ولكن اتقاء شره أو طمعًا في عطاءاته أو حرصًا على

المناصب الدنيوية ، وبعض هؤلاء من خريجي الزيتونة ممن دجنهم بورقيبة

بضرباته المتتالية ، فاضطروا للتكيف مع الوضع الجديد من غير أن يمس ذلك

بالضرورة معتقداتهم وانتماءهم العروبي الإسلامي ، فتكون الحركة بذلك قد دفعتهم

إلى الاحتماء بكنف بورقيبة بدل الانجذاب نحوها باعتبارها تمثل تعبيرًا جديدًا عن

الصراع القديم بين بورقيبة وخصومه من خريجي الزيتونة . والحقيقة أن حركة

النهضة قد انتبهت إلى هذا الأمر مبكرًا منذ منتصف الثمانينيات واتخذت الإجراءات

اللازمة لتلافيه ، ولكن الأحداث داهمتها .

وعلى أية حال فإن خطاب الحركة الحالي لا يحمل أي عداء لمثل هؤلاء ؛ بل

إن أياديها ممدودة للتعاون مع أي فصيل سياسي في تونس في معركة الدفاع عن

الحريات لاسترداد الحقوق وبناء تونس دولة شورية تتسع لجميع الفرقاء السياسيين

مهما اختلفت مشاربهم الثقافية مقدرة أن الشعب التونسي المسلم لو أتيحت له فرصة

الاختيار الحر فلن يرضى بغير شرع الله حكمًا ، ولن يرشح لحكم تونس سوى

الشرفاء والغيورين على دينهم وأمتهم .

2 -نقدر أن صراع الهوية في تونس يحمل رمزًا خفيًا وآخر ظاهرًا بينهما

تفاعل وانفعال ؛ فالظاهر هو ضرب الهوية الإسلامية من طرف النظام الحاكم

والدفاع عنها من طرف أصحاب التوجه العروبي ؛ والرمز الخفي هو الصراع على

السلطة ومواقع النفوذ ؛ فلقد بدأ الصراع على قيادة الحزب الدستوري التونسي منذ

عهد الاستعمار بين قيادة الحزب القديم ممثلة في الشيخ الثعالبي ورفاقه من ذوي

التوجه الإسلامي العروبي ، وبين بورقيبة وأنصاره من قيادات الحزب الدستوري

الجديد الذين انقلبوا على القيادة القديمة وأسسوا الحزب الدستوري الجديد ، واستولوا

بعد ذلك على السلطة في تونس الفتية ؛ فلم ينس بورقيبة ذلك لخريجي الزيتونة

وانتقم منهم بطرق شتى أدناها إقصاؤهم من مواقع القرار والوظائف الكبرى في

الدولة ، وتهميشهم من الحياة السياسية عامة ؛ نقول هذا على الرغم من اعتقادنا بأن

بورقيبة كان علمانيًا إلى حد النخاع ؛ قاده تكوينه العقائدي والثقافي الفرنسي إلى شن

حربه الشاملة على الإسلام والمسلمين ، ولما تولى الرئيس الحالي الحكم في البلاد

أظهر تسامحًا مع الإسلام والإسلاميين ، وتظاهر بالتصالح مع هوية البلاد العربية

والإسلامية . وسواء كان ذلك نهجًا سياسيًا لسحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين

الذين كان الصراع الدائر بينهم وبين بورقيبة حول الهوية الإسلامية لتونس سببًا في

صعوده إلى سدة الحكم على طريقة المثل السائر: تمسكنْ حتى تتمكَّن ، أو كان

اعتقادًا حقيقيًا لديه ؛ فالنتيجة التي انتهى إليها بعد فوز التيار الإسلامي في

الانتخابات البرلمانية ، وشعوره بتهديد سلطته واهتزاز مركزه هي عودته عن كل

الوعود التي قطعها على نفسه في البيان رقم صفر في انقلابه الأبيض على بورقيبة ،

فنكص على عقبيه ، وشن حربًا لا هوادة فيها على كل ما يمت للإسلام

والإسلاميين بصلة ، وظهر ذلك جليًا في خطة مبتكرة محبكة عرفت بخطة تجفيف

المنابع ، وأصبحت مفخرة من مفاخر تونس العهد الجديد لما حققته من نجاح في

ضرب الحركة الإسلامية بتونس .

3 -وسواء اقتنع القارئ الكريم بهذا التحليل أو خالفه فالفكرة التي أشرت

إليها في فقرة سابقة في ثنايا حديثي عن التطورات الجديدة في العالم العربي

والإسلامي تحت عنوان: ( تونس الحديثة وصراع الهوية ) والتي لخصتها في

ظهور احتمال قوي لحسم صراع الهوية لصالح الشعوب في المستقبل القريب تلك

الفكرة كافية بحد ذاتها لدعوة حكام تونس للتصالح مع هوية البلاد الحقيقية وخوض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت