طبعًا أول هذه المجالات العقيدة ؛ لأن العقيدة هي خط الدفاع الأول ، إذا انهار ينهار كل شيء بعد ذلك ، فكانت أحد أساليب طمس الهوية إضعاف العقيدة وزعزعة الإيمان بزرع الصراعات الفكرية التي تشوش الأفكار وتشتت الأذهان ، بعث وإحياء الفلسفات المضادة للتوحيد ، إحياء التصوف الفلسفي ، نشر تراث الفرق الضالة كالباطنية والمعتزلة والرافضة ، إثارة الشبهات حول القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة الشريفة ، هدم الثقة في السلف الصالح ، التركيز على عرض ما يناقض التوحيد بصورة تغري بالإلحاد كنظرية داروين مثلًا ، وعرض تاريخ الأمم الوثنية كالفراعنة وغيرهم دون أي نقد ، لا لتستبين سبيل المجرمين ولكن لننبهر ونفخر بسبيل المجرمين ، والله تعالى يقول { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } كي تتجنبوها ، أما نحن فنفصل سبيل المجرمين حتى إن الطلبة في المدارس يعني يحفظون كل محافظة في مصر القديمة كان إلهها اسمه إيه ، وكان إله بتاع إيه متخصص في إيه ، واسمه إيه ، ويحفظون الأناشيد التي كان يُعبد بها هذا الإله دون أي كلمة خدش أو نقد ، فأين نحن من سلوك يوسف عليه السلام حينما شرف هنا مسجون في مصر ، يوسف عليه السلام ذكر هذه الآلهة لكن كيف ذكرها ؟ { يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءاباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه } يوسف عليه السلام افتخر بانتمائه إلى أمة التوحيد وإلى هوية الإسلام ، أي نعم { إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة ءابائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } إلى آخر الآيات .
من هذه الأساليب تسميم الآبار المعرفية التي تستقي منها الأجيال من المهد إلى اللحد ، أنا أذكر حادثة حصلت من مدة عبر بها أحد الإخوة عن موضوع أزمة الهوية لما كان بيخاطب الأخ عبد المنعم أبو الفتوح لما خاطب السادات ، ما أدري أدركتم هذه الحادثة ؟ نعم ، خاطب السادات وقال له إيه ، السادات طبعًا كان فعلًا في مرحلة كان ديمقراطي بصحيح ما كانش بيمثل ، بس جاء في فترة ما تحملش وقال بقى الديمقراطية لها أنياب وشرسة وبتعض وهكذا فيعني كان في أحد المواقف اللي هي ما كانش فيها تمثيل ولا تصنع يعني هذا الشاب الأخ الدكتور أبو الفتوح واقف على هواه كده من غير ضغوط أو شيء وتكلم وقال له أنا أريد أن أعرف الإعلام ماذا يريد مني ؟ عايز يعني أي هوية أنتمي إليها ؟ يريدني أن أعبد البقر ولا أعبد بوذا ولا أعبد اللاة أو عايزني إيه بالضبط الإعلام ؟ طبعًا غضب غضبًا شديدًا ، والقصة يعني معروفة لا وقت لذكرها بالتفصيل .
الحقيقة أن هناك محاولة لمسخ الهوية الإسلامية تمامًا عن طريق تخريب مناهج التعليم بكافة مراحله ، وهذه أخطر مؤامرة ضد الهوية الإسلامية في هذا الوقت الآن ، وهم يسمونها بكل صراحة تجفيف منابع الإسلام ، هذه المؤامرة لا تبدأ اليوم بل هي تبدأ من أكثر من قرن ، ولا تبدأ من الصفر لكنها تسمتد من معين المنطلقات التي صنعها الاستعمار والاستشراق والتبشير ، يكفي أن القس دنلوب تمكن في عشرين عامًا فقط من تخريب العقول والنفوس والضمائر والعواطف من خلال سياساته التعليمية بصورة ما كانت تحلم بريطانيا بتحقيق ربعها ولو جندت في سبيل ذلك مليون جندي بريطاني .
هذا كرومر وهو رائد التغريب في مصر يقول"إن الحقيقة أن الشباب المصري الذي قد دخل في طاحونة التعليم الغربي ومر بعملية الطحن يفقد إسلاميته وعلى الأقل أقوى عناصرها وأفضل أجزائها ، إنه يتجرد عن عقيدة دينه الأساسية"مناهج التعليم العلمانية .
وهذا المستشرق جب يقول"والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب هو أن نتبين إلى أي حد يجري التعليم على الأسلوب الغربي وعلى المبادئ الغربية وعلى التفكير الغربي ، هذا هو السبيل الوحيد ولا سبيل غيره"وقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي ، ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين وقليل من الزعماء الدينيين ، وبعبارة أخرى التعليم الغربي اللاديني عبارة عن الحامض الذي يذيب شخصية المسلم ـ مش في أنواع من التعذيب بيحط الشخص في الحامض المركز ويذوب ، يذوب تمامًا ـ فمناهج التعليم بالنسبة للهوية تفعل مثلما يفعل الحامض في تذويب هذه الهوية .
وبعض الكتاب أعتقد من شعراء باكستان القدامى كان له شعر ينتقد فيه مناهج التعليم الغربية ويذكر خطرها على الهوية فيقول ما معناه إن فرعون كان بليدًا بالنسبة لما تفعله مناهج التعليم الغربي ، لماذا ؟ قال إن فرعون استجلب لنفسه الخزي والعار لأنه كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ، قال لو أنه هداه تفكيره إلى هذا الأسلوب لأساليب التعليم لاستغنى عن ذبح الأبناء تمامًا ولما تلطخت سمعته بهذا العار الذي لحق به ؛ لأن هذا كان سيحقق له هدفه يذبح أبناءهم يقضي عليهم أي نعم بدون أن يناله هذا اللوم .
أيضًا محاولة محو ذاكرة الأمة وارتباطها بتاريخها المجيد ؛ لأن التاريخ هو خميرة المستقبل ، التاريخ هو خميرة المستقبل ، وتمجيد كل ما هو غربي وتحقير كل ما هو إسلامي ، يعني إن جرجي ، جرجي زيدان هذا كان عامل طبعًا تعرفون له سلسلة في التاريخ الإسلامي كلها مشوهة ، كلها كذب وتشويه لأداء هذه الوظيفة احتقار التاريخ الإسلامي ، حتى نصر المسلمين في الأندلس ألف قصة كاذبة قال إن انتصار المسلمين نشأ عن إن واحد من الجماعة الأسبان كان يعشق واحدة من المسلمات ومش عارف إنه دخل في الجيش وانضم إليهم وهو سبب حصول هذا النصر بمجرد انضمامه ، فتحوا الأندلس لمجرد إيه ؟ حتى يظهر إن نصر المسلمين في الأندلس مش نصر عقائدي ، لا ده حتى واحد أجنبي هو اللي خلاهم ينتصروا ، طبعًا هذا كلام كذب ، وقصة فتح الأندلس قصة يعني معروفة ، فعملية محو ذاكرة الأمة وارتباطها بتاريخها السابق وتمجيد كل ما هو غربي وتحقير كل ما هو إسلامي ومزاحمة رموز الإسلام برموز ضلالات التنوير والحداثة والعصرانية ، وعرض أنماط الحياة الاجتماعية في الغرب بكل مباذلها وسوآتها بصورة جذابة ومغرية بنموذج الآن إن نحن نكون زي الغربيين نشرب الخمر ، نلعب القمار ، نتهاون في الفواحش ، نلبس ملابسهم ، نتكلم بطريقتهم ، هذه عملية تذويب وقضاء على الهوية الإسلامية .
يقول مستشرق يُدعى شاتلين فرنسي يقول"إذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتخضضوا شوكته وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة لها والتي كانت ـ أي العقيدة ـ السبب الأول الرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم ، وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم ، عليكم أن توجهوا جهود هدمكم إلى نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلامية بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وكتابهم القرآن ، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم ، ونشر روح الإباحية ، وتوفير عوامل الهدم المعنوي ، وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء لكفانا ذلك ؛ لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها".
فانظر إلى هؤلاء اللي بيفرحوا إن الغرب فرحان بيهم ، هم بيصفوهم بإيه ؟ السذج ، المغفلين ، البسطاء ، هكذا نظرتهم لمن يبيعون هويتهم ويتنازلون عنها .