فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 719

أيضًا من هذه الأساليب تجهيل العلم ، العلم يجهل ؟ نعم العلم يجهل إذا قطعت صلته بالله سبحانه وتعالى فيفقد العلم صلته بالخالق ودلالته على التوحيد ؛ لأن العلم في الحقيقة ، العلم بمعنى since يعني مش بس العلم الشرعي الآن بنتكلم عن العلوم الحديثة ، هذا العلم أكبر وأقوى مؤيد لدعوة التوحيد الفطرية ، العلم صباح مساء يكشف لنا عن آيات الله التي أمرنا بأن ننظر فيها كما قال تعالى { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } وأمرنا بأن ننظر { سنريهم ءاياتنا في الأفاق وفي أنفسهم } كل هذه دلائل تؤكد حقية دين الإسلام وبطلان ما عداه من الأديان ، وأنه هو الوحيد الطريق الوحيد للسعادة والنجاة ، فالعلم في الحقيقة هو في أصله يخدم التوحيد ويخدم دين الإسلام أعظم خدمة ، فماذا يفعلون ؟ يعني يعمدون إلى تجاهل ذكر الله ، افتح كتاب طبيعة أو كتاب أحياء أو أي شيء من هذا ، كل ده خلق الله وكل هذه السنن هي سنن الله ، القوانين دي من الذي وضعها ؟ ما هو العالم قبل ما تُكتشف هذه القوانين بملايين السنين هي تعمل أم لا تعمل ؟ تعمل ، من الذي وضع هذه القوانين ؟ هو الله سبحانه وتعالى ، يتعمدون تجاهل ذكر اسم الله ، لا يمكن ، وإذا واحد ذكر اسم الله يبقى مش بيحترم المنهج العلمي ده بيتكلم عن الغيبيات ونحن لا نعترف إلا بالأمور الحسية ، قُطِعت صلة العلم بخالقه ، وبالتالي لم يعد العلم كما كان ينبغي أن يكون خادمًا لدعوة التوحيد وللهوية الإسلامية ، فيعمدون إلى نسبة الآيات الكونية إلى الطبيعة ، الطبيعة عملت الطبيعة سوت الطبيعة كانت ، ومحاولة عزو أحداث الكون إلى الظواهر الطبيعية دون ربطها بمشيئة الله وقدرته عز وجل .

من ذلك أيضًا التآمر على اللغة العربية لشدة ارتباطها بالقرآن والإسلام وأثرها في وحدة الأمة ، وذلك عن طريق التشجيع لللهجات العامية ، والمطالبة بكتابتها بالحروف اللاتينية ، وتشجيع اللغات الأجنبية على حساب لغة القرآن الكريم ، وتطعيم القواميس العربية بمفاهيم منحرفة كقاموس المنجد ، والطعن في كفاءة اللغة العربية وقدرتها على مواكبة التطور العلمي ، وإذا كانت الثقافة هي مجموع القيم التي ارتضتها الجماعة لنفسها لتميزها عن غيرها من الجماعات فإن اللغة هي وعاء الثقافة ومظهرها الخارجي الذي يميزها ، لغة المسلمين لغة العرب ليست مجرد لغة قومية كأي لغة أخرى ، انتبهوا ليست لغة قومية لكنها لغة دينية بمعنى أنها توحد حولها جميع المسلمين عربًا وعجمًا ؛ لأنها لغة دينية هي لغة القرآن الكريم .

يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى"اللغة العربية من الدين ، ومعرفتها فرض واجب ، فإن فهم الكتاب والسنة فرض ، ولا يُفهمان إلا بفهم اللغة العربية ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

وقال المرتضى"من بغض اللسان العربي ـ اللي بيكره اللسان العربي ـ من بغض اللسان العربي أداه بغضه إلى بغض القرآن وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وذلك كفر صراح وهو الشقاء الباقي ، نسأل الله العفو".

اللغة لها دور خطير في توحيد وتماسك الهوية الإسلامية وتوحيد الأمة الإسلامية ، أنا سأضرب مثالين أيضًا يوضحان لنا هذه الحقيقة ، وللأسف الشديد نضطر لذكر يعني أمثلة من غير المسلمين .

ايرلندا التي رزحت تحت الاحتلال الإنكليزي منذ أوائل القرن الثاني عشر الميلادي وذاقت من الاحتلال الإنكليزي الويلات خصوصًا على يد كرومويل الذي أعمل السيف في رقاب الايرلنديين وشحن عشرين ألفًا ، شحن عشرين ألف من شبابهم وباعهم عبيدًا في أمريكا ، ونفى أربعين ألفًا خارج البلاد ، وتمكن من طمس هويتهم بمحو اللغة الايرلندية وتذويبهم في المجتمع البريطاني ، ولما حاول بعض الوطنيين الايرلنديين بعث أمتهم من جديد ، بعث الهوية الايرلندية من جديد أدركوا أن هذا لا يتم ما دامت لغتهم هي اللغة الإنكليزية وما دام شعبهم يجهل لغته التي تميز هويته وتحقق وحدته ، وأسعفهم القدر بمعلم يتقن لغة الآباء والأجداد ، دفعه شعوره بواجبه إلى وضع الكتب التي تقرب اللغة الايرلندية إلى مواطنيه ، فهبوا يساعدونه في مهمته حتى انبعثت لغتهم الايرلندية من رقادها وشاعت وصارت النواة التي تجمع حولها الشعب فنال استقلاله واستعاد هويته ، وكافأ الشعب ذلك المعلم بانتخابه أول رئيس لجمهورية إيرلندا المستقلة هو الرئيس ديفاليرا ، ما الذي وحدهم ، ما الذي أعاد إليهم الهوية ؟ هو اللغة .

ألمانيا التي كانت مقاطعات متفرقة متنابذة إلى أن هب هردل الأديب الألماني الشهير في النصف الثاني من القرن الثامن عشر هب ينادي بأن اللغة هي الأساس الذي يوحد الشعوب ، والنواة التي تؤلف بينها ، فانطلق الأدباء يعكفون على تراثهم القديم أيام كانوا أمة واحدة ، وقاموا بإنعاش تراثهم الأدبي ونسجوا حوله قصصًا وبطولات خلبت ألباب الشباب ، وتغنوا بجمال بلادهم وأمجاد أسلافهم ، فتجمعت عواطفهم على حب الوطن الكبير ، وتطلعت نفوسهم إلى الانضواء تحت لواء هوية ألمانية واحدة ، الأمر الذي مهد الطريق أمام بسمارك لتعبئة الشعور القومي وتوحيد ألمانيا وإقامة الإمبراطورية الألمانية التي كان بسمارك أول رئيس وزارة أو مستشار يعني لها .

فإذا علمت هذا كيف أن اللغة توحد ؟ سلوك يهود مع لغتهم العبرية التي انقرضت لمدة ألفي سنة ثم أعادوها من رقادها ، فإذا علمت هذا فاسمع وتعجب من المستشرق الألماني كاممفير يقول في شماتة يقول"إن تركيا منذ حين لم تعد بلدًا إسلاميًا ، فالدين لا يُدرس في مدارسها ، وليس مسموحًا بتدريس اللغتين العربية والفارسية في المدارس ، وإن قراءة القرآن العربي وكتب الشريعة الإسلامية قد أصبحت الآن مستحيلة بعد استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية".

من هذه الأساليب الاهتمام المبالغ فيه بإحياء الأساطير الوثنية والخرافات الشركية والتنقيب عن الحفريات والآثار الوثنية التي تبرز الهوية غير الإسلامية أو السابقة كالفينيقية أو الفارسية أو الفرعونية أو الكلدانية ، وتسليط الضوء عليها لردها إلى الحياة وربطها بالحاضر بصورة تزاحم بل تتعارض مع الانتماء الإسلامي ، هذا التراث مهما يكن فإن الإسلام يجُب ما قبله ، وإذا كان دين الحق قد نسخ كل دين قبله ولو كان أصله سماويًا فكيف لا ينسخ الأديان الوثنية ؟! إن اعتناق أي أمة للإسلام يشكل فاصلًا عقيديًا وحاجزًا فكريًا بين ماضٍ وثني وبين حاضر ومستقبل مشرق بنور الفطرة والتوحيد ، وهذه الهويات السابقة الجاهلية قضى عليها الإسلام حين صهرها في بوتقة الوحدة الإسلامية ، وما أكثر ما تُستغل هذه الآثار في دعم النعرات القومية لكل قطر واستعلائه بآثاره وأحجاره الخاصة ، وفي ذلك أعظم الخطر على الهوية الإسلامية .

لن ننس أيضًا أن نذكر شاهدًا من أهلها وهو المستشرق جب في كتابه ويذر إسلام أو وجهة الإسلام ، وقد كان ـ يقول جب ـ"وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها المسلمون الآن ، فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا وفي مصر وفي أندونيسيا وفي العراق وفي إيران ، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا ـ يعني هو الآن في بداية الأمر كان تقوية الشعور لعداء أوروبا لأنها قومية في هذه البلاد ـ يقول لكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دورًا في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم مقوماتها ، لكن في المستقبل سيضعف الإسلام سيضعف الهوية الإسلامية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت