فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 719

• الشيخ محمد عبد الكريم: أنا أرى أنه من العسير جدًا الاطمئنان إلى أية إحصائية تحدد عددًا حقيقيًا للنصارى في السودان؛ لأن الدولة في الحقب السابقة واللاحقة لم تضع ضمن سياساتها الإحصائية تصنيفًا دقيقًا للسكان من جهة المعتقد والديانة؛ ولعل طبيعة الوضع السياسي وعدم الاستيطان لأهل الجنوب بسبب النزوح وظروف الحرب من أهم العوامل التي أدت إلى وجود هذه الفجوة الإحصائية، وقد حاولت بعض الهيئات والمنظمات التنصيرية أن تسد هذه الفجوة بما يخدم طموحاتهم التوسعية؛ فمن تلك الوثائق الصادرة في عام 1992م ما يشير إلى أن الإسلام هو دين غالبية السكان (83%) في حين أن المعتقدات الإفريقية (41%) ونسبة النصارى لا تتجاوز (3%) وهذا الإحصاء يتسق مع تاريخ الوجود النصراني في السودان؛ حيث لم يكن للنصارى مع أول عهد انتشار الإسلام غير مملكة قبطية في بلاد النوبة (مملكة مروى) التي ظلت على شركها حتى هاجمتها قبائل الفونج الوثنية فقضت عليها عام 1405م ليبقى السودان كرَّةً ثانية بين وثنية تشعبت ضلالاتها، وبين الإسلام الذي كان ينتشر بصورة انسيابية دون إرساليات طبية أو بعثات تعليمية كما يحاول النصارى اليوم. وتتركز النسبة الكبيرة من النصارى في جنوب البلاد وبعض مناطق جبال النوبة في غرب السودان.

وأما عن توزع النسب بين طوائفهم فإن الكنيسة الكاثوليكية تعتبر أكبر وأقدم المجموعات الكنسية في السودان، وتنتهج نظامًا مركزيًا يتبع الفاتيكان، وتمثلها في البلاد ست مطرانيات، ثم يليها طائفة البروتستانت ثاني أكبر المجموعات الكنسية في السودان وتمثلها أربعة عشر طائفة بأسمائها المختلفة: (الأسقفية، الإنجليكانية، الرسولية الجديدة، الإخوة، الثالوث الأقدس، الإنجيلية، الأذفنتست السبتيين.. إلخ) ثم تأتي طائفة الأرثوذوكس وهي تشمل كافة الكنائس التابعة لرعايا الدول والجاليات (القبطية، اليونانية، الأثيوبية، الإرترية، الكورية …إلخ) . وأما عن التدين فنجد أن التدين في الأرثوذوكس أكثر منه في الكاثوليك وأكثر منه في البروتستانت ويقدرها بعضهم بالجملة 3% وهي نسبة أقرب إلى الرجحان.

البيان: كيف تعاطت الأحزاب والحكومات السودانية مع قضية التنصير؟ وما الدور الذي لعبه (قانون الهيئات التبشيرية من 27/2/1964م - إلى 4/10/1994م) في الحد من النشاط الكنسي؟ وما أهم نتائج إلغائه؟

• أ. علي محجوب عطا المنان: مجموعة الفريق إبراهيم عبود العسكرية التي استولت على الحكم في 17/ 11/ 1957م وحتى 21/10/1964م وبالرغم من أنها لم تكن ذات توجه إسلامي فيما يتعلق بشان الحكم والسلوك الاجتماعي والحريات الخاصة إلا أنها كانت اكثر الحكومات السودانية على الإطلاق إدراكًا لخطر التبشير النصراني ومراميه وأهدافه التي تتجاوز مسالة الدعوة للانتماء إلى الكنيسة والنصرانية إلى تغيير التركيبة السكانية والمعادلة الاجتماعية والدينية في السودان، وقد أدركت تلك الحكومة أن الاتجاه جنوبًا مقصده التدمير شمالًا، ولهذا صدر قانون الهيئات التبشيرية في 27/2/1964م، وكان مما قامت به تلك الحكومة (سودنة) وظائف الكنيسة؛ بمعنى أن يتولى أمر إدارة الكنائس من مطارنة وقساوسة ومن هم من دونهم في المرتبة سودانيون، وكانت تلك محاولة جريئة وشجاعة للحد من النفوذ الأجنبي في السودان. أعقبت حكومة عبود والتي تنازلت عن الحكم في 12/01/4691م حكومات حزبية لم يكن الدين أحد همومها، وكان الاتجاه العام في السلوك الاجتماعي لا يبرز فيه التدين أو الدعوة له؛ ولهذا لم يكن هناك رد فعل مقابل لذلك، وبقدر ما تطورت المؤسسات الإسلامية ببطء كذلك تطور العمل الكنسي ببطء مماثل. ومنذ أكتوبر1964م وحتى العام 1983م لم يكن من الحكام من ينادي بالدين حاكمًا في السودان؛ ولهذا فإن المخطط التنصيري العالمي في السودان كان يطبخ على نار هادئة بعيدًا عن أي إثارة، وبتخطيط يدرك أن الهدف كما افصح عنه القس جون باتريك بقوله: (إن سقوط السودان في أيدينا يعني سقوط نصف أفريقيا كلها، ويعني طرد العرب والمسلمين منها) وفي العام 1983م عندما أعلن الرئيس جعفر نميري تغيير قوانين الحكم في السودان إلى تشريعات إسلامية مع مراعاة خصوصية الجنوب فإن رد الفعل كان حاضرًا؛ إذ اشتد تمرد (كاربينو - جون قرنق) والذي ما زال يهد في قوى المسلمين البشرية والاقتصادية، وينسف استقرار القطر كله، ويمنع التنمية والتطور بسبب توجيه الموارد نحو الحرب حتى لا يقوى بلد مستهدف أصلًا ليكون له أشواق تجاه الإسلام رغمًا عن استثناء الجنوب من القانون الإسلامي. وبعد 1983م لم يلتزم أحد بقانون الهيئات التبشيرية. وجاسوا خلال الديار باسم الإغاثة والدفاع عن النصرانية.

إن إلغاء ذلك القانون في 4/10/1994م قطعًا لم يكن حكيمًا، ولكن يبدو أن الثقة الزائدة، والضغط الدولي على السودان بدعوى أنها دولة أصولية كان وراء ذلك القرار؛ غير أنه حتى وإن لم يتم إلغاؤه فإنه كان سيدمغ السودان بالتطرف الديني. وقد فُعِل حتى بعد إلغاء القانون.

• الشيخ محمد عبد الكريم: بعد أن حصل السودان على استقلاله كان في حس الحكومات خاصة العسكرية منها أهمية الحد من التوسع النصراني في أوساط الوثنيين حسمًا على حساب الإسلام لاتخاذ القوى الاستعمارية وعلى رأسها بريطانيا ـ آنذاك ـ ذلك ذريعة للتدخل في شؤون البلاد، وكان هذا دافعًا قويًا لحكومة إبراهيم عبود لسن قانون الهيئات التبشيرية للحد من نشاط الكنائس ونفوذ الإرساليات الأجنبية، وعلى إثر إبرام اتفاقية (أديس أبابا في فبراير 1972م) برعاية إمبراطور أثيوبيا هيلاسيلاسي أقام السودان لأول مرة علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان في أغسطس عام 1972م، وقد أدى ذلك إلى تنازل الحكومة عن الجنوب للكنائس تفعل فيه ما تشاء. ونستطيع القول بأن قضية التبشير والنصرانية في السودان تعتبر ورقة رابحة في نظر الأحزاب السودانية أملًا في الكسب السياسي من الداخل وتأييد القوى الأجنبية من الخارج، وحين جاءت حكومة الإنقاذ كان متوقعًا مع شعار أسلمة الحياة وفي مقدمتها القوانين أن تبقي هذا القانون على أقل تقدير للحد من النفوذ الكنسي، ولكن مع جهود دعاة التقريب بين الأديان وعقد المؤتمرات لذلك فقد ألغي القانون دون إيجاد بديل يتحكم في حركة الأخطبوط الكنسي، فتزامن ذلك مع أول زيارة تاريخية لبابا الفاتيكان إلى السودان، ومع كل ذلك فقد صرح الناطق باسم الخارجية الأمريكية في اليوم الثاني بقوله: (إن زيارة عابرة من قِبَل البابا إلى السودان لن يغير من موقف أمريكا تجاه السودان شيئًا) ولقد كان من نتائج إلغاء هذا القانون فقدان المرجعية القانونية التي تسند سياسة الحد من توسع الكنائس وإنشائها حتى في الأحياء التي لا يقطنها النصارى، فكان هذا بلا شك منعطفًا خطيرًا وشرخًا جسيمًا في جدار الوقاية من هذا المرض العضال.

• أ. إلياس علي كرم الله: قضية التنصير في فترات الحكومات السودانية المتتابعة مرت بمنعطفات عديدة من أبرزها أيضًا اتفاقية أديس أبابا في عهد حكومة مايو والتي اعتبرها كثير من المراقبين تمكينًا للنشاط الكنسي على حساب نشر الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت