فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 719

• أ. علي محجوب عطا المنان: اتفاقية أديس أبابا المعلنة سلمت إدارة جنوب السودان في ذلك الوقت للكنائس بما فيها الخدمة المدنية والتعليم، وضغطت الكنيسة على المجلس الحاكم (مجلس الجنوب) في ذلك الوقت بأن تكون الأولوية للنصارى في التوظيف في الخدمة المدنية والتعليم ودعم الطلاب وبعثات التعليم وحتى سبل كسب العيش؛ وهذا وإن لم يكن مكتوبًا ولكنه كان واقعًا معاشًا مما أدى إلى أن أبناء كثير من المسلمين ارتدوا عن الإسلام حتى صار اتجاهًا معروفًا؛ فكل من أراد وظيفة عليا أو أن يتعلم أو يعلم أولاده لا بد أن يكون نصرانيًا. وفيما يتعلق بالتعليم فقد افتتحت معاهد دينية في عهد عبود، وتخرج فيها قمم من أبناء المسلمين الجنوبيين، وعملوا على نشر الوعى الإسلامي، وهذا مما يحمد له في تثبيت الإسلام في الجنوب، وحينما تمت اتفاقية أديس أبابا أوقفت هذه المعاهدة تمامًا وكان لهذه الاتفاقية دور في وقف تقدم عمل المسلمين في المجال السياسي والاقتصادي والدستوري والخدمة المدنية والمجال التشريعي؛ ولهذا كان لهذه الاتفاقية تأثير سالب على تقدم العمل الإسلامي؛ ولكن الجهود ما زالت مستمرة رغم أنها لا تكافئ العمل التنصيري.

البيان: ما تأثير المنظمات الكنسية على السياسة السودانية وعلى دورة الحرب والسلام؟ وكيف توصف علاقتها مع حركات التمرد مع أن منهم أحيانًا من لا ينتمون إليها؟ وما موقف الكنيسة الرسمي والفعلي من فصل الجنوب؟.

• أ. علي محجوب عطا المنان: المنظمات الكنسية قبل العام 1983م لم يكن لها تأثير مباشر على الحكومات والسياسة السودانية؛ لأن اعتماد النظام العلماني في سلوك الحكم وقوانينه وبرامج الساسة في الانتخابات ما كان يشكل أحد عوامل التحدي التي تواجه الكنيسة في مخططاتها؛ إلا أنه وبعد عام 1983م عندما أعلن النميري الإسلام مرجعًا للقانون والتشريعات السودانية لم تكن حركة الكنيسة السودانية ومؤسساتها هي الأصل في تفجير حرب الجنوب الأخيرة أو زعزعة الاستقرارالأمني والسياسي والاقتصادي في السودان إنما الكنيسة العالمية بكل قواها انتفضت تعمل وتخطط وتستنفر كل أذرعها الدولية لمحاربة السودان وتطويقه وعزله وهزيمته من الداخل. لا أحد يشك أو يتردد في أن يقدِّر أن الكنيسة تلعب دورًا فاعلًا ومباشرًا تضامنًا مع مؤسسات كنسية عالمية - سرًا أو علنًا - في دعم التمرد معنويًا وماديًاَ خاصة فيما يتعلق بالإمداد (اللوجستي) (حركة الإمداد الأساسية المستمرة) وتسخير طائرات الإغاثة التابعة للمنظمات الغربية وحتى منظمات الأمم المتحدة والصليب الأحمر كانت تساهم في نقل السلاح والجنود، وليس الغرض من كل ذلك انتصار حركة التمرد، ولكن الهدف هو هزيمة الإسلام لم تتوقف مطامع الكنيسة ولا مطامحها عند فصل الجنوب السوداني ليكون نصرانيًا يطرد منه الإسلام؛ لأنه يعتبر بوابة الإسلام إلى أفريقيا، ولكن الأمر تعدى إلى ما نقله الباحث السوداني بروفيسور حسن مكي عن المنصر الأوروبي (سبنسر) الذي كان يعمل في شمال السودان بقوله: (ضرورة العمل في إنشاء مراكز مسيحية في ديار الإسلام المحصنة في وجه المسيحية باختراقها في الشمال لتكون نقاط ارتكاز للمسيحية عندما تتدفق شمالًا) . وجون قرنق قائد التمرد والكنيسة كلهم الآن يقولون إن العرب والمسلمين ليس بلدهم السودان، وعليهم أن يعودوا من حيث أتوا وإلا فإن نموذج الأندلس وزنجبار يمكن تطبيقه ـ ويعني ذلك الإبادة الجماعية للمسلمين ـ وربما الذي حدث في البوسنة والهرسك نموذج لم يتطرقوا إليه.

وعلاقة التمرد بالكنيسة هي علاقة تبادل للمنافع؛ فجون قرنق لم يدخل التمرد من باب النصرانية او لنصرتها؛ وبذا يمكن إضافة مسوغات أخرى للحرب، ويكسب بذلك عطف الدول الغربية والمنظمات الكنسية؛ حتى إن كثيرًا من المنظمات والهيئات المسيحية سخرت له لينقل السلاح والأفراد، بل إن بعض المنظمات النصرانية حصرت عملها لصالح مناطق جيش التمرد. وللكنيسة مصلحة أيضًا في التمرد؛ لأنه جعل للجنوبيين قضية، واستغلت الكنيسة هذه القضية لتجميعهم حولها، واختلقت أحداثًا تاريخية لم تكن حدثت أصلًا مثل الاسترقاق والاستعباد حتى جعلت الكنيسة من نفسها مرجعًا سياسيًا واجتماعيًا وعقائديًا لكثير من الجنوبيين.

ولا شك أن الخيار الأفضل للكنيسة هو السلام، ولكن يبقى السؤال: السلام مع انفصال الجنوب، أو مع الوحدة مع الشمال؟ هجرة الجنوبيين إلى الشمال والضغط الدولي على الحكومة يمكّن الكنيسة من إدارة شؤون النصارى ومن أن تعمل حتى وسط المسلمين الجنوبيين الموجودين في الشمال بالإضافة إلى الوثنيين، والحرب منعت الكنيسة من أن تزاول عملها بكامل طاقتها، ولكن بالمقابل وجدت الكنيسة أن الثقافة العربية والإسلامية أثرت على الجنوبيين، وثمة عدد من المذكرات المرفوعة من مسؤولين جنوبيين يفضلون الانفصال و يخططون لتكوين دولة (الجنوب) لتكون حاجزًا نصرانيًا لانتشار الإسلام في أفريقيا ويدّعون أن السودان كان قديمًا دولتين نصرانيتين هما (المقرة وعلوة) ولما دخل المسلمون السودان زالت دولة المقرة في شمال السودان، وفي عام 1504م انهارت دولة علوة بحكم العبدلاب واتحادهم مع دولة الفونج في سنار.

• الشيخ محمد عبد الكريم: لقد غدت الكنائس بعد شيخوختها القاتلة في الغرب مجرد سلاح لصد ومحاربة الإسلام وتفتيت وحدة المسلمين كما قال القس سايمون: (إن التنصير عامل مهم في كسر شوكة الوحدة الإسلامية، ويجب أن نحول بالتنصير مجال التفكير في هذه الوحدة حتى تستطيع النصرانية أن تتغلغل بين المسلمين) فالتنصير أداة مهمة في خدمة أغراض الدول الكبرى. هذا وقد أعلن اللورد بلفور من قبل أهمية مؤسسات التنصير في خدمة أهداف السياسة، ومن هذا المنطلق تحاول المنظمات الكنسية جاهدة التأثير على السياسة السودانية، وأضرب للتدليل على ذلك بثلاثة أمثلة:

أحدها: أن المنظمات الكنسية هي التي وطدت لاتفاقية أديس أبابا 1972م؛ حيث حصلت على ضمانات كافية وقتها بعدم نشر الثقافة العربية والإسلامية في الجنوب.

وثانيهما: هو حدث قريب؛ وذلك بصدور قانون حرب (سلام) السودان الذي أجازه الكونجرس الأمريكي في سبيل تطويع الإنقاذ أو تقسيم السودان، ومن الجاذب للانتباه في وثيقة مشروع القانون كثرة البنود المخصصة لمنظمات الإغاثة (وأنشطتها) لأنها تمثل العمود الفقري اللوجستي لقوات التمرد، وقد كان وراء هذا القانون السناتور (بل فرست) وهو ذو صلة حميمة بمجموعات الضغط الكنسية خاصة منظمة سامرتان بيرس (samarirtanpvrse) التبشيرية العاملة في مناطق نفوذ الحركة الشعبية منذ عام 1993م. كما يشاطر هذا الاهتمام بالسودان قساوسة بارزون في أمريكا منهم (فرانكلين جراهام، وبات روبرتسون، وجيري فالويل، وجيمي سواغارت) وأخيرًا وليس آخرًا القس (جون دان فورث) المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي الحالي للسودان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت