وقد بلغنا عنكم أشياء من الفتيا مستكرهًا، وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم تجبني في كتابي، فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك، فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكرت وفيما أوردت فيه على رأيك، وذلك أنه بلغني أنك أمرت زفر بن عاصم الهلالي - حين أراد أن يستسقي - أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، فاعظمت ذلك، لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة إلا أن الامام إذا دنا فراغه من الخطبة حول وجهه إلى القبلة فدعا، وحول رداءه ثم نزل فصلى، وقد استسقى عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما، فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فأشهر الناس فعل زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال: أنه لا تجب عليهما الصدقة حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويتردان بالسوية، وقد كان ذلك يعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره، والذي حدثنا به يحيى بن سعيد ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره.
ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سلعة فتقاضى طائفة من ثمنها أو أنفق المشتري طائفة منها أنه يأخذ ما وجد من متاعه، وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئًا أو أنفق المشتري منها شيئًا فليست بعينها.
ومن ذلك أنك تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير ابن العوام إلا لفرس واجد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم بفرسين ومنعه الفرس الثالث، والأمة كلهم على هذا الحديث أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق وأهل افريقية، لا يختلف فيه اثنان؛ فلم يكن ينبغي لك - وإن كنت سمعته من رجل مرضي - أن تخالف الأمة أجمعين. وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع استئناس بمكانك، وإن نأت الدار؛ فهذه منزلتك عندي ورأيي فيه فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك وحاجة إن كانت له أو لأحد يوصل بك، فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليك ورحمة الله.
حدثنا أبو يوسف حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال: هذه رسالة مالك بن أنس إلى الليث بن سعد: سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد، عصمنا الله وأياك بطاعته في السر والعلانية، وعافنا وأياك من كل مكروه: كتبت إليك وأنا من قبلي من الولدان والأهل على ما تحب والله محمود. جاءني كتابك تذكر من حالك ونعم الله عليك الذي أنا به مسرور، وأسأل الله أن يستمر علينا وعليك صالح ما أنعم به علينا وعليك وأن يجعلنا له شاكرين. وفهمت ما ذكرت في كتب بعثت بها لأعرضها لك وأبعث بها إليك، فقد فعلت ذلك وغيرت منها حتى صح أمرها على ما تحب، وختمت على كل فنداق منها بخاتمي ونقشه: حسبي الله ونعم الوكيل. وكان حبيب إلي حفظك وقضاء حاجتك وأنت لذلك أهل، وصبرت لك نفسي في ساعات لم أكن أعرض فيها لأن الحج فيها فتاتيك مع الذي جاءني بها حيث دفعتها إليه وبلغت من ذلك الذي رأيت أنه يلزمني في حقك وحرمتك وقد نشطني ما استطلعت مما قبلي من ذلك في ابتدائك بالنصيحة لك، ورجوت لك أن يكون لها عندك موضع، ولم يكن يمنعني من ذلك قبل اليوم أن لا يكون رأيي لم يزل فيك جميلًا إلا أنك لم تكن تذاكرني شيئًا من هذا الأمر ولا تكتب فيه إلي.
واعلم - رحمك الله - أنه بلغني أنك تفتي بأشاء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في أمانتك وفضلك، ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله عز وجل يقول في كتابه"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بأحسان رضي اللّه عنه وأعد له جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم".
وقال الله عز وجل"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللّه وأولئك هم أُولوا الألباب".