حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا أبو المليح قال: مات صالح فترك درهمًا وأربعة دوانق. وقيل له عند موته: أوص بأمك وأختك إلى من شئت. قال: إني لأستحيي من الله أن أوصي بهما إلى غيره.
سمعت أبا الفضل صدقة بن الفضل المروزي - وكان كخير الرجال قال أبو يوسف وسمعت العباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنا نقول: أحمد بن حنبل بالعراق، وصدقة بن الفضل بخراسان، وزيد بن المبارك باليمن - قال: حج الوليد بن مسلم - وأنا بمكة - ، فما رأيت رجلًا أحفظ للحديث الطويل وأحاديث الملاحم منه، وكان أصحابنا في هذا الوقت يكتبون ويطلبون الآراء، فجعلوا يسألون الوليد عن الرأي ولم يكن يحفظ.
قال: ثم حج علينا - وأنا بمكة - وإذا هو قد حفظ الأبواب، وإذا الرجل حافظ متقن قد حفظ. قال: وكان نعيم بن حماد أنكر طلب الآراء وتركهم الاسناد والأحاديث العالية. قال: فجعل أصحاب الحديث يسألونه عن الاسناد والأحاديث العالية، فقال: ما أعجب أمركم كلما سألتمونا عن نوع من العلم ونظرنا فيه نقلتمونا إلى نوع غيره ! إن بقينا وحججنا أتيتكم من هذا بما تبغون - مثل هذا أو نحوه - .
قال: فصدر ومات رحمه الله قبل أن يصير إلى دمشق.
حدثني أبو بشر بكر بن خلف قال قال الحميدي قال لنا الوليد بن مسلم: إن تركتموني حدثتكم عن ثقات شيوخنا، وإن أبيتم فسلوا نحدثكم بما تسألون.
وسمعت الحميدي يقول: جئت في يوم الصدور والوليد في مسجد منى وعليه زحام كثير، وجئت في آخر الناس، ودفعت بالبعير وعلي بن المديني يجيبه، فجعلوا يسألون ويحدثهم ولا أفهم. قال: فجمعت جماعة من الكثير وقلت لهم جلبوا وأفسدوا على من بالقرب منه. قال: فجعلوا يصيحون ويجلبون ويقولون: ألا نسمع ؟. وجعل علي يقول: أسكتوا نسمعكم. قال: فاعترضت وصحت، ولم أكن حلقت بعد من الشعر. قال: فنظر إلي علي ولم يثبتني قال: لو كان فيك خير لم يكن شعرك على ما أرى. قال: فتفرقوا ولم يحدثهم بشيء.
وسمعت إبراهيم بن المنذر قال: قدمت البصرة فجاءني علي بن المديني فقال: أول شيء أطلب أخرج إلي حديث الوليد بن مسلم فقلت: يا ابن أم سبحان الله وأين سماعي من سماعك ؟ فجعلت آبى ويلح، فقلت: أخبرني الحاحك هذا ما هو ؟ قال: أخبرك الوليد رجل الشام، وعنده علم كثير، ولم أستمكن منه، وقد حدثكم بالمدينة في المواسم، وتقع عندكم الفوائد لأن الحجاج يجتمعون بالمدينة من آفاق شتى، فيكون مع هذا بعض فوائده ومع هذا بعض. قال: فأخرجت إليه فتعجب من كتابته، كاد أن يكتب على الوجه.
وسألت هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم ؟ فقال: رحم الله أبا العباس كان وكان، وجعل يذكر فضله وعلمه وورعه وتواضعه. قال: وكان مسلم أبوه من رقيق الامارة، وتفرقوا على إنهم أحرار، وكان للوليد أخ صلف، يركب الخيل ويركب معه غلمان له كثير، وكان صاحب صيد وتنزه، وكان يخرج إلى الصيد في فوارس ومطابخ، وحمل الوليد دية فأداه في بيت المال أخرج عن نفسه إذ اشتبه عليه أمر أبيه. قال: فوقع بينه وبين أخيه في ذلك شغب وجفاء وقطيعة، وقال: فضحتنا وما كان حاجتك إلى ما فعلت.
قال أبو يوسف: وكنت أسمع أصحابنا يقولون: علم الشام عند إسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم.
سمعت أبا اليمان يقول: كتب كتب إسماعيل بن عياش، ولم أدع شيئًا منها في القراطيس، وقدم خراساني وكلم إسماعيل أن يحتال له في نسخة تشترى ويقرأ عليه. قال: فدعاني إسماعيل فقال: يا حكم إنك لم تحج فهل لك أن تبيع الكتب من هذا الخراساني وتحج وترجع فتكتب وأقرأ عليك ؟ فقلت: فلعلك تموت. فقال: استخر الله، وإن قبلت مني فعلت ما أقول لك. قال: فبعت الكتب منه - وكانت في قراطيس - بثلاثين دينارًا، وحججنا ورجعت وكتبت الكتب بدريهمات وقرأها علي. قال: وكان أصحابنا لهم رغبة في العلم وطلب شديد بالشام والمدينة ومكة، وكانوا يقولون: نجهد في الطلب ونتعب أبداننا ونغيب، فإذا جئنا وجدنا كل ما كتبنا عند إسماعيل.
فأما الوليد فمضى على سنته محمودًا عند أهل العلم متقنًا صحيحًا صحيح العلم، وتكلم قوم في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدل أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين.