أما هم فلم يوصفوا في الجملتين إلا بالجملة الاسمية الدالة على الوصف الثابت أي في الماضي إلى الحاضر ولم يكن فيما وصفوا به جملة فعلية من خصائصها التجدد والحدوث فلم يكن فيها ما يتعرض للمستقبل فلم يكن إشكال والله تعالى أعلم.) [1]
وبناء على ما سبق، أقول وبالله التوفيق:
فالآية الأولى: وضحت نفي عبادته - صلى الله عليه وسلم - لما يعبدونه في الحاضر والمستقبل، وهذا النفي أقل تأكيدًا من النفي في الآية الثانية، فهو يشمل زمنًا معينًا، وقد جاء النفي الأكمل في الآية التي جاءت بعد ذلك، وكانت بصيغة الجملة الاسمية، فهنا الفعل يفيد الاستمرار، وقد كان بصيغة المضارع ليفيد زمن الحاضر والمستقبل، وبالتالي فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لن يعبد ما يعبدون كما طلبوا، فكان الاستخدام للجملة في مكانه المناسب والله أعلم.
والآية الثانية: وضحت نفي عبادته - صلى الله عليه وسلم - لما يعبدونه جملة واحدة، وهذا هو النفي المؤكد الذي لا يعتريه شك، لأنه وصف في جملة اسمية، وهو مؤكد لما سبق من النفي في الجملة الفعلية في الآية السابقة، وهذا النفي كله بعكس حال الكافرين، حيث جاء نفي عبادتهم لغير ما يعبدون بالجملة الاسمية في كلا الموضعين، وهذا مؤكد، لكنه أضعف من النفي بالجملتين الاسمية والفعلية، وبالتالي كان التزامهم بعبادة ما يعبدونه أضعف من التزام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبقاؤه - صلى الله عليه وسلم - على عقيدته أقوى وأثبت وأدوم من بقائهم على عقيدتهم. وهذا معلوم عندنا من الدين بالضرورة، ولكن الغرض من التوضيح هو بيان بعض من إعجاز القرآن الكريم، وبناء على ما سبق، يتضح أن استخدام الجملة الاسمية هنا كان في مكانه المتوافق مع السياق والله أعلم.
(1) محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان: (9/ 134) ، مرجع سابق.