وجاء في كتاب (درة التنزيل وغرة التأويل) : (للسائل أن يسأل عن الإدغام في قوله: {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ} في سورة الحشر، وعن تركه في سورة الأنفال والنساء مع أن مثله فِي لغة العرب يصح إدغامه وإظهاره كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [1] وقوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [2] والجواب أن يقال: إن الأصل في ذلك: إذا قويت الحركة في القاف أن تدغم. ألا ترى أن من جوّز(اردد) ، مكان (ردّ) وكانت لغته الإظهار متى حرك الدال الأخيرة في قولك للاثنين: (ردا) ، وقولك للجمع: (ردوا) لم ير إلاّ الإدغام، ولم يجوز (ارْدُدا) ، ولا (ارْدُدُوا) ، ولا (ارْدُدِي) .
فقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ} فقد قويت الحركة منه في القاف الأخيرة لأنها لاقت كلمة قد لزم أولها السكون، وهو اللام الأولى من (اللَه) وكانت تحرّك لملاقاة الساكن بعدها في مثل (اعبد الله) حيث لا تضعيف يهرب من ثقله إلى تخفيف برفع اللسان عن الحرفين دفعة واحدة، فقوله: {وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ} لا تلاقي القاف هنا مما يتعلق به إلا ساكنًا قد لزم الكلمة فقويت الحركة في القاف التي تلاقي هذا الساكن لأنها لا تلاقي سواه فيما علّق الفعل به.
وليس كذلك: {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} لأن القاف قد تلاقى ما يتعلق بها متحركًا، وهو (ورسوله) ، لأن التقدير: ومن يشاقق رسوله، فلم تخلص القاف فيما يتعلق بها للحركة، كما خلصت لها في الأول.
(1) سورة المائدة: (من الآية / 54) .
(2) سورة البقرة: (من الآية / 217) .