عَلَيْهِ وَلَا تُبْغِضْهُ لِأَجْلِ حَقِّك , إِنَّمَا تُبْغِضْهُ لِاعْتِدَائِهِ عَلَى حُقُوقِ رَبِّ العَالَمِين , وَهَذَا لِأَجْلِ رَفْعِ الضَرَر عَنْ كُلِّ المسْلِمِين بِحَيْث يَكُونُ هَلَاكهُ صَلَاحًا لِلإِسْلَامِ وَصَلَاحًا لِلْمُسْلِمِين.
أَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِخَاصَّة نَفْسِك كَجَارٍ يُؤْذِيك أَو رَجُلٌ بِجِوَارِك فِي الدُّكَّان أَو فِي الشَّارِع أَو فِي السُّوقِ أَو فِي أيّ مَكَان يُؤْذِيك أَو يَغْتَابُك أَو يَسُبُّك، فَإِبَاحَةِ هَذَا أَفْضَل وَأَزْكَى عِنْدَ الله - عز وجل - , وَالله - عز وجل - يَقُول: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} [النور:22] . فَالإِنْسَان يَعْفُ عَمَّن ظَلَمَه , وَهَذَا يَكُونُ أَجْرهُ عَلَى الله , وَمَن وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله أَفْضَل مِمَّن يَنْتَقِم لِنَفْسِه , فَتَرِد يَوْمَ القِيَامَة وَلَيسَ لَكَ حَقٌّ عَلَى هَذَا ثُمَّ مَا تَصْنَع بِكَون المسْلِم يُعَذَّب بسببك؟ لَا حَاجَة لَك إِلَى ذَلِك , وَالنَّبي - صلى الله عليه وسلم - يَقُول: «لَا يُؤْمِن أَحَدُكُم حَتَى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه» .
فَكَوْنك تُبِيحَه وتُحَلله يَكُون أَزْكَى لَك عِنْدَ الله , وَأَفْضَل لَك يَوم القِيَامَة , وَأَكْثَر ثَوابًا , فِإِنَّ الذِي يُبِيحُ المسْلِمِين يَحْظَى بِعِدَّة أُجُور , بَيْنَمَا الذِي يَسْتَبْقِي أَجْره لِيَومِ القِيَامَة يَكُونُ لَهُ أَجْر وَاحِد , مَا هُو الأَجْرُ الوَاحِد؟ هُوَ أَجْرُ المظْلَمَة لَا غَير مَا فِي مَزِيد عَلَى هَذَا , لَكِن الذِي يُبِيحُ الْمُسْلِمِين وَيَحظَى بِعَدَّة أُجُور:
الأمر الأول: أَنَّ هَذا العفو دَلِيلٌ عَلَى طِيبِ قَلْبِه مَا أَبَاحَ هَذَا إِلَا لِطِيبِ قَلْبِه فَهَذَا يَحْظَى بِهَذَا الأَجْر
الأمر الثاني: أَنَّ هَذَا دَلِيل عَلَى الرَحْمَة فَهُوَ يَحْظَى بِأَجْرِ الرَّحَمَة.
الأمر الثالث: أنَّه مُسْتَجِيبٌ لِأَمْرِ الله وَمُسَارِع إِلَيه , الله - عز وجل - يَقُول: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} , مَع أَنَّ هَذَه الآيَة نَزَلَت فِيمَن قَذَفَ عَائِشَة بِالإِفْك وَسَارَعَ إِلَى ذَلِكَ وَاسْتَجَابَ مِنْهُم مِسْطَح نَزَلَت الآيَة في مسطح مَعَ أَبِي بَكْر حِينَ قَالَ: «وَالله لَا أُنْفِقُ عَلَيهِ أَبَدًا» قَالَ الله: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور:22] حين نزلت قال أبو بكر: بلا أحب أن يغفر الله لي فأعاد النفقة على مسطح.