فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 406

وَيَكُون جَرِيئًا وَيَقُوم عَلَى المنَابِر يَتَكَلَّم يَأْمُر بِالمعْرُوف وَيَنْهَى عَن المنْكَر قَد يَصِفُونَهُ بِنَوعٍ مِنْ قِلَّةِ الحَيَاء أَو يَرَونَ أَنَّ هَذَا يَتَنَافَى مَعَ الحَيَاء وَهَذَا لَا أَصَلَ لَهُ , إِذَا كَانَ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَشَدُّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاء فِي خِدْرِها كَانَ يَصْعَدُ المَنَبِرْ وَيُنْكِر ويُقِيم الحُدُود ويُوَجِّه الأُمَّة ويُنَاصِح المسْلِمِين , ويُرْشِدُهُم إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِم وَدُنْيَاهُم وَهُوَ مِنْ أَعْظَم النَّاسِ حَيَاءً دَلَّ هَذَا أَنَّهُ لِيْسَ مِنَ الحَيَاءِ فِي شَيءٍ, إِنَّمَا الحَيَاءُ المحْمُود أَنْ تَقُوم بِشَرْعِ الله - عز وجل - وَالحَيَاءُ المحْمُود وَصِفَةُ الحَيَاء هِيَ أَنْ تَقُوم بِالحَسَن وَأَنْ تَدَعُ القَبِيح مَنْ فَعْلَ هَذَا كَانَ هَذَا حَيَاءً مِنْهُ , نَعَم يُوجَد حَيَاء نَوْعٌ آخَر وَهُوَ أَنَّ الإِنْسَان قَدْ يَأْتِي شَخْصٌ وَيُكَلِمُهُ وَيَسْتَحِي مِن أَنْ يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْه هَذَا أَيْضًا نَوعٌ مِن أَنْوَاعُ الحَيَاء وَالنَّاس يَتَفَاوَتُونَ فِي هَذَا , وَيَرْجِعُ أَيْضًا هَذَا إِلَى حُسْنِ الخُلُق وَإِلَى لِين الطَّبِيعَة لِينُ الطَبِيعة لَهُ دَورٌ فِي ذَلِك , وَالمقْصُود أَنَّ طَالِبُ العِلْمِ وَالعُلَمَاء يَكُونُونَ مِنْ أَقْوَم النَّاس بِالآدَاب لِأَنَّ النَّاسَ يَقْتَدُونَ بِهِم وَالنَّاس حِينَ يَرَونَ عُلَمَاءَهُم وَيَرَونَ طَلَبَةَ العَلْمِ لَا يَقُومُونَ بِالآدَابٍ وَلَا يَقُومُونَ بِحُسْنِ الخُلُق هَذَا يُزَهِّدُهُم بِالعُلَمَاء وَيُنَفِّر عَنْهُم العِلْم كَمَا قَالَ الشَعْبِيّ: «كُنَّا نَضْحَكُ وَلَا تَسَعُنَا إِلَّا الابْتِسَامَة» . لماذا؟

لِأَنَّ النَّاسَ بَدَؤُوا يَعِيبُونَ الالْتِزَام , لِأَنَّ النَّاس يَتَصَوَرُونَ أَنَّ العَالِم مَا يَضْحَك , أَنَّ العَالِم مَا يَبْتَسِم , أَنَّ العَالِم مَا يَخْرُج لِلْبَر لِلْنُّزْهَة , أَنَّ العَالِم لَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا يَضَعُونَ شَخْصِيَّةً لِلْعَالِم مُكَوَّنَةً فِي أَذْهَانِهِم مَا يَضَعُونَ شَخْصِيَّة لِلْعَالِم مَدْرُوسَةً بِمَعَانِي مُنْضَبِطَة مَسْتَجِيبَةٌ لِلْأَدِلَّة الشَرْعِيَّة , فَهُم يَتَخَيَلُونَ العَالِم هُوَ الَّذِي يَعِيشُ فِي الصَوَامِع كَالرُّهْبَان وَيَبْقَى فِي المسْجَد لَا يَخْرُجُ مِنْهُ أبَدًا , وَلَا يَلْبَسُ الجَمِيل , وَلَا يَلْبَسُ كَذَا وَلَا يَلْبَسُ كَذَا , هَذِهِ صُورَةُ العَالِم فِي أَذْهَانِهِم! وَهَذِه لَيْسَت مِن صُورَة العَالِم فِي شَيءٍ , صُورَةُ العَالِم هِيَ التِي تُؤْخَذُ مِن صُورَةِ وَشَكْلِ وَهَيْئَةِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - الَّذِي يَقُول الله - عز وجل - عَنْه: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] , وَتَقُول عَائِشَة: «كان خُلقه القرآن» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت