المُتنطِّعون هم: الغَالُونَ في الأشياء مَدحًا أو ذمًّا , وقد كان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يُحذِّرُ أُمتهُ من الغلوّ، والغلوّ هو: مُجَاوزةُ الحَدّ مَدحًا أو ذمًّا , والنَّاس بطبيعتهم وفِطَرِهم يُحبُّونَ الذي يعدل معهم ويكرهون الرَّجل الجائِر الظَّالم , والرَّجل قد يكون معه شيءٌ من الحق فيزيدُ عليه فيكون ظالمًا , فبِقَدْرِ ما نَنهَى النَّاس عن الانتساب إلى غير الكتاب والسُّنة بِقَدر ما نُوجِب التَّعامل مع الآخرين بما تُوجِبُه أيضًا الأدلَّة من الكتاب ومن السُّنة , والعدل قامت به السَّماوات والأرض , وأيضًا الحق الذي يقوله الآخرون لا مانع من مُناصرتِهِم عليه كما في البخاريّ: أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَطْلُبُونَ خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَاتِ الله إلَّا أَعْطَيْتَهُم إِيَّاهَا» . فهو يخاطب بذلك المشركين، ما يُخَاطب المسلمين.
يقول ابن القيِّم مُعلِّقًا على هذا الحديث في «زاد المعاد» المجلَّد الثَّالث: كلُّ من التمس المعاونة على أمرٍ محبُوبٍ للهِ مُرْضٍ له أُجيبَ إلى ذلكَ كائنًا من كان ما لم يترتَّب على إعانته على ذلك المحبُوب مبغوض لله أعظم منه , وهذا من أدقِّ المواضع وأصعبها , وأشقها على النفوس , ولذلك ضاق عنه من الصَّحابة من ضاق.
ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى في «المدارج» : والبصير الصَّادق يُعاشر كل طائفة على أحسن ما معها ولا يتحيَّز إلى فئة وينأى عن الأخرى بالكليَّة.
ويقول رحمه الله تعالى: والصَّادق الذَّكيّ يأخذ من كل شخص ما عنده من الحق فيستعين به على مطلبه , فالكمال المُطلق لله ربِّ العالمين , وما مِنَ العِباد إلَّا له مقامٌ معلوم.