فمثلًا حينما يعني يقول الإنسان أنا مسلم ، أنا مسلم هذه انتماء لدائرة كبيرة جدًا من دوائر الهوية ، ديانته الإسلام ، أنا مسلم فتعرف أنه مسلم ، أو إذا زاد وقال أنا منهجي الإسلام الذي أحيا به ، فإذا زاد أكثر حدد الدائرة بصورة أدق وأوضح فقال أنا مثلًا مؤمن ملتزم بالإسلام كي يتميز عمن ينتسب إليه بالاسم ، إذا زاد وأوضح فقال أنا مسلم سلفي ، عرفنا بمجرد كلمة سلفي مثلًا إذا أضاف أنه ليس خارجيًا ولا معتزليًا ولا مبتدعًا ، وأنه يعتقد في القضية الفلانية كذا وفي القضية الفلانية كذا ، إن هذه الصفة عبارة عن لافتة وتعنون لجملة من الصفات الثابتة التي لا تتغير فيما بين الذين ينتمون إلى هذه الهوية .
الفرد كما أن له هوية كذلك المجتمع والأمة لها هوية مستقلة تتميز بها عن غيرها ، وإلا تشابهت الأمم كما يتشابه السمك في الماء ، وكلما توافقت هوية الفرد مع هوية المجتمع كلما تعمق إحساسه بالانتماء لهذا المجتمع واعتزازه به وانتصاره له ، أما إذا تصادمتا فهنا تكون أزمة الهوية وأزمة الاغتراب ، وإلى معناها أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ( إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء ) وفي بعض الروايات قيل من الغرباء ؟ فقال ( أناس قليل في أناس سوء كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ) .
الانتماء الوجداني والانتساب إلى الهوية ينبع عن إرادة النفس ، فالنفس تكون راضية بهذا الانتماء إلى هذه الهوية ، قابلة لهذا الانتماء راضية عنه معتزة به ، فهذا الانتماء هو الذي هو الزمام الذي يملك النفس ويقودها ويحدد أهداف صاحب الهوية ، وهو الذي يرتب أولوياته في الحياة ، فتنصبغ النفس به وتندمج فيه وتنتصر له وتوالي وتعادي فيه ، في نفس الوقت تبرأ من الانتساب إلى أي هوية أخرى مضادة أو مزاحمة لهذه الهوية التي يعتز بالانتماء إليها ؛ إذن هذا التفاعل النفسي ينتج عنه بطبيعة الحال بناء حواجز نفسية بين الشخص وبين كل من يخالفه في هذه الهوية ، وفي نفس الوقت اندماج وتوحد مع الذين يوافقونه في هذه الهوية .
الهوية لها علاقة أساسية بمعتقدات الفرد ومسلماته الفكرية ، الهوية هي التي توجه لاختيار هذا الفرد عند تعدد البدائل ، فأنت إذا عرفت أن هذا هويته مثلًا مسلم يبقى الأصل أن هذا المسلم معناها أنه مثلًا يجتنب لحم الخنزير يجتنب الخمر ، لايفعل كذا وكذا وكذا ، ويعتقد كذا وكذا وكذا ، إذا عُرِضت عليه عدة اختيارت في أي قضية فطبقًا لانتمائه الاعتقادي وطبقًا لهويته فإن هذه الهوية هي التي سوف يعني توجه اختياره أمام البدائل المتعددة ، بعبارة أخرى الهوية هي التي تقوم بتهديف سلوكه ، بتهديف سلوكه بجعل سلوكه ذا هدف محدد في إطار هذه الهوية بحيث يصبح سلوكه ذا معنى وله غاية ، كما أنها تؤثر تأثيرًا بليغًا في تحديد سمات شخصيته وإضفاء صفة الثبات والاستقرار والوحدة على هذه الشخصية ؛ بالتالي إذا تحققت له عناصر وأركان هذه الهوية ونتج عنها الانتماء الذي تحدثنا عنه لا يمكن أبدًا أن يكون إمعة ، ولا يكون منافقًا ، ولا يكون ذا وجهين يقابل هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ، كما وصف الله تعالى المنافقين { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } فالشخص الذي حدد هويته لا يمكن أن يقع في هذا التذبذب ، لا يمكن أن تضطرب شخصيته ، تكون ثابتة ومستقرة وشخصية واحدة ، لا يمكن أن تتعدد وجوهه كما يحصل للمنافقين والإمعات .
أما بالنسبة للمجتمع ككل فإن الهوية الواحدة أو المتحدة تصبح هي الواحة النفسية التي يلوذ بها أفراد الجماعة ، والحصن الذي يتحصنون داخله ، والنسيج الضام أو المادة اللاصقة التي تربط بين لبناته ، والتي إذا فُقِدت تشتت المجتمع وتنازعته التناقضات .
أهم أركان الهوية ـ يعني الهوية لها أركان عدة لكن أهم أركانها على الإطلاق ـ هو العقيدة ، يليها التاريخ واللغة .
فإذا تحدثنا عن الهوية الإسلامية نجد أنها مستوفية لكل مقومات الهوية الذاتية المستقلة ـ إن الهوية الإسلامية بضم الهاء طبعًا ـ بحيث تستغني تمامًا عن أي لقاح أجنبي عنها وتستعلي عن أن تحتاج إلى لقاح أجنبي يخصبها ، فهي هوية خصبة تنبثق عن عقيدة صحيحة وأصول ثابتة رصينة ، تجمع وتوحد تحت لوائها جميع المنتمين إليها ، وتملك رصيدًا تاريخيًا عملاقًا لا تملكه أمة من الأمم ، وتتكلم لغة عربية واحدة ، وتشغل بقعة جغرافية متصلة ومتشابكة وممتدة ، وتحيا لهدف واحد هو إعلاء كلمة الله وتعبيد العباد لربهم وتحريرهم من عبودية الأنداد .
أي واحد من جنود الجيش الإسلامي الذي كان يفتح البلاد ويبشر وينشر ضياء ونور الإسلام إذا سألته كان سيردد عبارة يعني ذلك الصحابي الذي لما سُئل ما جاء بكم ؟ قال الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة أو كما قال رضي الله تعالى عنه .
يعرف الهدف بمنتهى الوضوح ، وسلوكه مهدف ، له هدف محدد يحي لأجله ، هذا ثمرة من ثمرات هذه الهوية ، لكننا سنلقي أكثر الضوء على الركن الأعظم من أركان الهوية الإسلامية وهو ركن العقيدة .
فجنسية المسلم هي عقيدته ، جنسية المسلم هي عقيدته ، ووطنه هو دينه الذي هو عصمة أمره ، والهوية الإسلامية في المقام الأول تعني الانتماء للعقيدة انتماءً يُترجم ظاهرًا في مظاهر دالة على الولاء لها والالتزام بمقتضياتها ، فالعقيدة الإسلامية التوحيدية هي أهم الثوابت على الإطلاق في هوية المسلم وشخصيته ، وهي أشرف وأعلى وأسمى هوية يمكن أن يتصف بها إنسان ينتمي إلى بني آدم ؛ لأنها انتماء إلى أكمل دين وأشرف كتاب نزل على أشرف نبي صلى الله عليه وسلم إلى أشرف أمة ، أُرِسل هذا النبي إلى أشرف أمة بأشرف لغة بسفارة أشرف الملائكة في أشرف بقاع الأرض في أشرف شهور السنة في أشرف لياليه وهي ليلة القدر بأشرف شريعة وأقوم هدي ؛ ولذلك مدح القرآن الكريم وعظم هذه الهوية فقال تعالى { ومن أحسن قولًا ممن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين } قال باعتزاز إنني من المسلمين ، أي نعم وإن كان هذه يعني يذكرون هذه الآية في فضائل المؤذن لكن هي بعمومها تشمل كل من ينتمي إلى الهوية الإسلامية ، حتى المؤذن تتجاوب معه كل المخلوقات ، لا يبلغ مدى صوت المؤذن شجر ولا حجر ولا أي مكان إلا وهو يصدقه فيما يقول إذا قال"أشهد ألا إله إلا الله"يقول الشجر والحجر وكل ما يسمعه يقول"صدقت صدقت"ويقره على افتخاره ودعوته إلى هذه الهوية .