لكي يبقى هذا التميز بين الهوية الإسلامية وما خالفها من الهويات ثابتًا في كل حين فرض الله سبحانه وتعالى علينا معشر المسلمين في كل يوم وليلة أن ندعوه سبع عشرة مرة أن يهدينا الصراط المستقيم ، على الأقل في اليوم والليلة سبع عشرة مرة كلنا يقول { اهدنا الصراط المستقيم } ثم يزيد هذا الصراط وضوحًا ـ هذا من أركان الهوية ـ { صراط الذين أنعمت عليهم } الذين نحن ننتمي إليهم { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } نعم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس منا من عمل بسنة غيرنا ) .
عرف اليهود ذلك وشعروا أنه صلى الله عليه وسلم كان يتحرى أن يخالفهم في كل شؤونهم الخاصة بهم حتى ضجر ، ضجر اليهود من ذلك قالوا ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه ، ما يريد هذا الرجل ـ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه ؛ وذلك حرصًا على تميز الهوية الإسلامية .
وقال صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم ) وقد صحت كثير من الأحاديث التي تفصل هذه المخالفة وتحض عليها في كثير من أبواب الدين ، ولولا خشية الإطالة لاستزدنا أحاديث كثيرة جدًا في الصلاة في النكاح في سائر الأعمال ، في الصيام في العادات في الأكل في الشرب في الملابس ، يعني حض النبي صلى الله عليه وسلم على التميز عن المشركين وعدم موافقتهم ؛ إذن إذا قلنا أن الهوية الإسلامية هي وطن المسلم أو وطن المسلم هي عقيدته ، جنسيته هي دين الإسلام .
فما علاقة الهوية الإسلامية بالوطنية القومية ؟ هل هي علاقة تعارض ؟ فنقول إن الهوية الإسلامية ابتداءً لا تعارض الشعور الفطري بحب الوطن الذي ينتمي إليه المسلم ، ولا تعارض حب الخير لهذا الوطن ، بل في الحقيقة إن المسلمين الصادقين هم أصدق الناس وطنية وهم أنفع الناس لوطنهم ، لماذا ؟ لأنهم يريدون لوطنهم سعادة الدنيا والآخرة بتطبيق الإسلام وتبني عقيدته وإنقاذ مواطنيهم من النار ، كما قال مؤمن آل فرعون { يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا } أدخل نفسه في جملتهم { فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا } أيضًا هؤلاء هم الذي يحدبون ويجتهدون في حماية أمتهم من التبعية لأعدائهم الذين لا يألونهم خبالًا ، وقد تجلى هذا المفهوم واضحًا في قصة مؤمن آل فرعون في سورة غافر ، ويتجلى في كل عصر ومصر في مواقف وجهاد رموز الدعوة الإسلامية في كافة البلاد الإسلامية .
إلا أن الوطن الحقيقي في مفهوم الهوية الإسلامية هو الجنة ، لماذا ؟ لأن هذا هو الوطن الأصلي للمؤمنين حيث كان أبونا آدم عليه السلام في الابتداء ، ونحن في الدنيا في حالة نفي عن الوطن ، في حالة نفي عن الوطن في معسكر اعتقال الشيطان عدونا ، فنحن في حالة نفي عن هذا الوطن الحقيقي ، ونحن في هذا المنفى ساعون في العودة إلى هذا الوطن ، والمنهج الإسلامي والهوية الإسلامية هي الخريطة التي ترسم لنا طريق العودة إلى الوطن الأم .
هذه الحقيقة أو هذا المعنى عبر عنه الإمام المحقق بن قيم الجوزية رحمه الله تعالى بقوله
فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم
فالجنة هي دار السعادة التي لا يبغون عنها حولًا لا كما قال من سفه نفسه
وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
أما في الدنيا فأيضًا الهوية الإسلامية تتحكم حتى في قلوبنا ، في عواطفنا في حب البشر ، فنحن نحب جميع الأنبياء ، ثم هناك مرتبة خاصة للرسل ، ثم بعد ذلك أولو العزم من الرسل ، ثم أشرف المرسلين وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم بعد الأنبياء الأولياء ، وأعظم الأولياء على الإطلاق هم الصحابة ، وأعظم الصحابة على الإطلاق هو أبو بكر رضي الله عنه يليه عمر { إن السمع والبصر والفؤاد } حتى عواطفه والحب ليس متروكًا لاختياره ، فالهوية الإسلامية تحدد رقعة المحبة لكل شخص في قلبك وأولويات هذه المحبة وترتيب ذلك .
كذلك بالنسبة للأوطان والأرض ، أحب الأوطان إلى المؤمن أو أحب قطع الأرض إلى المؤمن في هذه الدنيا أولًا مكة المكرمة ثم المدينة النبوية ثم بيت المقدس ، قد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن محبته مكة المكرمة مبنية على أنها ( أحب بلاد الله إلى الله ) وانتبهوا لهذا ، بعض الذين يتبنون المفهوم الوثني للوطنية يحاولون أن يستدلوا بالحديث على نقيض ما يدعو إليه ، يحاولون أن يغذوا مفهوم الوطنية الوثنية بالحديث يقولون هذه هي حب الوطن ، هذه هو حب الوطن أحب في حب الرسول إلى مكة لولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت ، نعم ليس حبًا للوطن لكنه لأنها مكة أحب بلاد الله إلى الله ؛ فلذلك كل مسلم يحب مكة المكرمة قبل أي مكان آخر على وجه الأرض ، وكذلك المدينة النبوية الطيبة ، وكذلك بيت المقدس الذي بارك الله حوله ، فمحبتنا لهذه البقاع التي اختارها الله وباركها وأحبها فوق محبتنا لمسقط رؤوسنا ومهبط الطفولة ومرتع الشباب ، أما ما عدا هذه البلاد المقدسة فإن الإسلام هو وطننا وهو أهلنا وهو عشيرتنا ، وحيث تكون شريعة الإسلام حاكمة وكلمة الله ظاهرة فثم وطننا الحبيب الذي نفديه بالنفس والنفيس ، ونذود عنه بالدم والولد والمال يقول الشاعر
ولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا الشام فيه ووادي النيل سيان
وحيثما ذُكِر اسم الله في بلد عددت أرجاءه من لب أوطاني
أما الوطنية بمعناها المحصور في قطعة أرض ، للأسف الشديد إذا سألنا من الذي وضع هذه الحدود الوهمية التي لا نراها إلا على الخرائط ؟ من الذي وضع هذه الحدود ؟ الاستعمار هو الذي قسم هذه الحدود ، ويعني شطرنا بهذه الطريقة ، في حين أننا إذا رأينا الحدود بين دولهم مثلًا في أوروبا أنا رأيت الحدود بين هولندا وألمانيا عبارة عن شارع في وسطه رصيف ارتفاعه يعني حوالي نصف متر أو أقل ، يعني ممكن تضع رجليك تبقى رجل في هولندا ورجل في ألمانيا ، والناس طبعًا بتتحرك بمنتهى الحرية ، هذه هي الحدود بينهم ، والآن هم ساعون في هذه إزالة هذه الحدود بل فعلوا ذلك بالفعل عن طريق الوحدة الأوروبية التي تحققت بالفعل ، فهم بقدر ما اجتهدوا في تمزيقنا كما تمزق الجبن الرومي هم أيضًا يعني يندمجون ويتوحدون ويلغون الحواجز بينهم ، فهذه الحدود هل هي في القرآن ؟ هل هي في السنة ؟ لأ ، هذه الحدود إنما رسمها أعداؤنا فالوطنية بمعناها المحصور في هذه الحدود أو في عرق أو لون أو جنس ، فهذا المفهوم مفهوم دخيل لم يعرفه السلف ولا الخلف .
من أول من أدخل مفهوم الوطنية الوثني في بلاد المسلمين أو في مصر على الأقل ؟ لأ سعد زغلول أيه ، أيوه رفاعة الطهطاوي ، رفاعة الطهاوي لما أرسله محمد علي إلى فرنسا ورجع ملوثًا ببعض الأفكار من فرنسا منها فكرة الوطنية ، وهو أول من بدأ ينفث روح الوطنية بالمعنى الوثني ، الارتباط بالتراب والأرض ، وهذا الكلام استورده من الأفكار التي تأثر بها هناك في فرنسا ، أي نعم فطرأ علينا هذا المفهوم المحدود الضيق ضمن ركام المفاهيم المخربة التي زرعها الغربيون وأذنابهم لمزاحمة الانتماء الإسلامي وتوهين الهوية الإسلامية التي ذوبت قوميات الأمم التي فتحتها في قومية واحدة هي القومية الإسلامية والوطنية الإسلامية ، ودمجتها جميعًا في أمة التوحيد .