وهاك أو هاكم شاهد من أهلها وهو المؤرخ اليهودي"برنارد لويس"، يقول هذا المؤرخ اليهودي ـ وانصتوا جيدًا لما يقول ـ يقول"كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي ، وكيف انتصر النبي وصحبه ، وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديانات الوثنية لعرب الجاهلية ، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى ، ولكنها ليست ضد اللات والعزى وبقية آلهة الجاهليين ، بل ضد مجموعة أخرى من الأصنام اسمها الدولة والعنصر والقومية ، وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف الأصنام ، فإدخال هرطقة القومية العلمانية أو عبادة الذات الجماعية كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط ، ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكرًا وإعلانًا".
هذا اعتراف صريح من هذا اليهودي بأن الغرب هو الذي زرع ظلمًا وعدوانًا مفاهيم القومية والعلمانية ليوهن ويضعف الهوية الإسلامية ، ويقرر نفس هذا المؤرخ حقيقة ناصعة فيقول"فالليبرالية والفاشية والوطنية والقومية والشيوعية والاشتراكية كلها أوروبية الأصل مهما أقلمها وعدَّلها أتباعها في الشرق الأوسط ، والمنظمات الإسلامية هي الوحيدة التي ينبع من تراب المنطقة ، وتعبر عن مشاعر الكتل الجماهيرية المسحوقة ، وبالرغم من أن كل الحركات الإسلامية قد هُزِمت حتى الآن غير أنها لم تقل بعد كلمتها الأخيرة"انتهى كلام هذا اليهودي ، فهو شاهد فعلًا من أهلها .
أيضًا العقيدة الإسلامية هي المنظار الذي يرى المؤمن من خلاله القيم والأفكار والمبادئ ، من خلالها يحكم على الأشخاص وينزلهم منازلهم ، وهي المرشح ـ الفلتر ـ العقيدة الإسلامية هي المرشح الميهمن الذي يقوم بترشيح التراث التاريخي ، كل تراث كان لأي أمة قبل دخول الإسلام فهذا التراث يخضع لهيمنة الإسلام لابد أن يقوم الإسلام بترشيحه في ضوء عقيدة التوحيد ، فتراث الآباء والأجداد والتاريخ القديم يأتي ويرشح بهذا المرشح
فما وافق العقيدة يقبل وما خالفها يُتخلص منه ويُنبذ ، فالعقيدة هي المرشح الميهمن الذي يقوم بترشيح التراث التاريخي ليحدد ما يُقبل منه وما يُرفض .
مثال فرعون وملأه كانوا مصريين لكنهم كانوا كفارًا وثنيين ، موسى عليه السلام وأتباعه من بني إسرائيل كانوا مؤمنين مسلمين ، فواجب المؤمن ، ما موقفنا نحن في ضوء العقيدة الإسلامية ؟ نفخر بفرعون ونعادي موسى وأتباعه المؤمنين ؟ لأ ، رغم عدائنا لليهود لكن طبعًا هؤلاء اليهود ليسوا مؤمنين ، لكن نقول الذين اتبعوا موسى على دين الإسلام ، فواجب المؤمن أن يعادي أعداء الله ويبرأ منهم ولو كانوا من جلدته ويتكلمون بلسانه ، ويوالي حزب الله وأولياءه من كانوا وأين كانوا ومتى كانوا ، يقول تعالى { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ويحذركم الله نفسه } ويقول تعالى { لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } إلى آخر الآيات الكريمات { يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وقال تعالى في الملأ المؤمنين من بني إسرائيل { ولما برزوا لجالوت وجنوده } جالوت وجنوده كانوا فلسطينيين ، كنعانيين فلسطينيين ومع ذلك نحن بقلوبنا نوالي بني إسرائيل المؤمنين ونعادي الكفار ولو كانوا فلسطينيين { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت } إلى آخر الآية .
فإذن نحن حينما نتلوا هذا في القرآن الكريم نعد هذا النصر نصرًا لعقيدتنا لديننا هو الإسلام ، هويتنا الإسلامية على هؤلاء الكافرين وإن كانوا فلسطينيين ، أوضح من هذا وأصرح أن نقول إنه لو قُدِر أن الله بعث الآن في هذا الزمان داود وسليمان عليهما السلام إلى الحياة من جديد فنحن نجزم حتمًا وقطعًا أنهما سيكونان متبعين لشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مصداق قول الله تعالى { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعِث محمد وأنت حي لتؤمنن به ولتنصرنه ؛ إذن يعني داود وسليمان لو عادا الآن لانضما قطعًا إلى المسلمين المجاهدين ، ولما وافقا اليهود في ما يسمونه بإعادة بناء هيكل سليمان ، لماذا ؟ لأن سليمان يعرف أن شريعته نُسِخت وأنه إذا بُعِث بعد محمد عليه الصلاة والسلام فلا مكان له إلا أن يكون متبعًا له ولشريعته ، فسيُبقي المسجد الأقصى ويصلي فيه ويحارب اليهود أعداء الله عز وجل .
ومصداق ذلك أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى صحائف من التوراة في يد رجل من المسلمين من الصحابة رضي الله عنهم غضب أشد الغضب وقال أمتهوكون أنتم ؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ، والذي نفسي بيده لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، لو موسى كان حيًا نحن أولى في ضوء الهوية الإسلامية نحن أولى بموسى من اليهود ، ونحن على دين موسى وهم ليسوا على دين موسى ، ولو بعث الله موسى وداود وسليمان لحاربوا اليهود والنصارى والعلمانيين وسائر الملحدين ، ولعبدوا الله في المسجد الأقصى على شريعة الإسلام كما كانوا يعبدونه وحده فيه قبل نسخ شريعتهم ، ولرفعوا راية الجهاد في سبيل تطهير فلسطين من قتلة الأنبياء ، أحفاد القردة والخنازير الملعونين على لسان الأنبياء .
مصداق ذلك أيضًا ليس افتراضًا كما قلنا بفرض أن يعود داود وسليمان للحياة لا سنذكر مثلًا حيًا واقعيًا سيقع قطعًا وهو أن عيسى عليه السلام حين ينزل آخر الزمان سوف يحكم بالإسلام ويحكم بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام ، ويصلي أول نزوله مأمومًا وراء المهدي ، ويقاتل اليهود ، وهو الذي سيقود المسلمين في حربهم ضد اليهود ، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام ، ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ، قال صلى الله عليه وسلم ( أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي ) فنحن المسلمين أولياء المسيح وأحباؤه ، ونحن أتباعه على دين الإسلام الذي جاء به ودعا إليه المقصودون بقوله تعالى { وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } .
وما أحسن ما قال صاحب الظلال غفر الله له"عقيدة المؤمن هي وطنه وهي قومه وهي أهله ، ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأٍ ومرعى وقطيع وسياج ، والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان إنه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم جميعًا الصلاة والسلام { وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } ".
تربط هذه العقيدة الإسلامية التي الركن الأعظم في الهوية الإسلامية المسلم بأخيه ، حتى يصير المسلم وأخيه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك ورجلك بساقك ، كما قال صلى الله عليه وسلم ( إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) .