فهرس الكتاب

الصفحة 702 من 719

ومن الأشياء البديعة أن القرآن الكريم يعبر يطلق النفس ويريد بها أخاك في الإسلام وفي الهوية الإسلامية تنبيهًا على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه ، يقول تعالى { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } والمقصود لا تخرجون إخوانكم في العقيدة في الهوية الإسلامية { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } فأطلق على الإخوان الأنفس ، فانظر إلى قوة الاندماج والذوبان في الهوية الإسلامية ، وقال تعالى { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا } والمقصود بإخوانهم خيرًا ، فعبر عن الإخوان بالأنفس ، وقال تعالى { ولا تلمزوا أنفسكم } أي لا تلمزوا إخوانكم على أصح التفسيرين ؛ إذن العقيدة كما قلنا هي المادة اللاصقة التي تربط لبنات المجتمع الإسلامي ، وهي إذا وُجِدت فإنها تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية ، تأمل قوله تعالى { لا تجد } لا تجد لا يمكن أن يقع { لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } إذ لا رابطة نسبية أقوى من رابطة الأبناء الآباء والأبناء والإخوان والعشائر ، ومع ذلك الإيمان هو الفيصل في هذه القضية ، يقول تعالى { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } ويقول تعالى { فأصبحتم بنعمته إخوانًا } .

وهذه الرابطة التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة لا إله إلا الله ، هذه الرابطة تجعل المجتمع الإسلامي كأنه كله جسد واحد ، كالبنيان يشد بعضه بعضًا ، لم تربط فقط بين أهل الأرض من المؤمنين ، وإنما أيضًا ربطت بين حملة العرش ومن حول العرش من الملائكة وبين بني آدم المؤمنين في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف ، هؤلاء ملائكة وهؤلاء بشر من بني آدم ، فرغم الاختلاف في الخلق والتكوين لكن مع ذلك الانتماء للهوية الإسلامية يعني يجعلك يربطك ليس فقط بالمؤمنين على وجه الأرض ، يربطك بكل هذا الكون المؤمن ، بكل هذا الكون ، تشعر بالولاء لا كما يعني يفترض الغربيون الجهلة بالله وبسننه عز وجل ويقولون الإنسان دائمًا في حالة صراع مع الطبيعة ، لأ هذه الطبيعة ليست عدوًا للإسلام ، بل هي إن جاز التعبير هي مظاهر الطبيعة هي إخوان له في الله وإخوان له في التوحيد ، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا ، ربما ذكرنا تفاصيلها من قبل في محاضرة لخصنا فيها كتاب عبودية الكائنات ، يعني مجرد مثال سريع نذكره ، يعني الوزغ اللي هو نحن بنسميه البرس ، الوزغ هذا نحن حرضنا الرسول عليه الصلاة والسلام على قتله ، وعلل ذلك بماذا ؟ لأنه كان ينفث النار على إبراهيم وهو لما ألقاه قومه في النار ، فانظر إلى العداوة لهذا النوع من الحيوانات لأجل أنه فعل ذلك مع إبراهيم ، أما الضفدع فكان يأتي بالماء ويحاول أن يطفئ هذه النيران عن إبراهيم عليه السلام فنحن نُهينا عن قتل الضفدع .

مثلًا مظاهر الموالاة حتى مع هذا أحد جبل يحبنا ونحبه ، مثلًا حتى مع الجبل يحبنا ونحبه ، واضح وغير ذلك من الأشياء كثيرة جدًا فيها العلاقة بين كل هذا الكون المؤمن ، العلاقة ليست علاقة صراع بالعكس ، بل هي علاقة تآخي وانسجام وذوبان في هذه الهوية الإسلامية .

انظر إلى جبريل عند إغراق فرعون لما أدركه ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام لما أدرك فرعون الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ، يقول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم يقول"فلو رأيتني يا محمد وأنا أدس في فيه من حال البحر مخافة أن تدركه الرحمة"فجبريل كان يعادي فرعون لأنه عتى وطغى ونازع الله سبحانه وتعالى وكفر بالله العظيم ، فجبريل كان يبغضه من أجل ذلك ؛ فلذلك كان أيه يعني جبريل يعني لما خاف خشي أن تنقذه هذه الكلمة التي قالها وهو يهلك ، فكان يأخذ من طين البحر ويدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة وهو ينطق بهذه الكلمة التي قالها عند الإهلاك والتي لا تنفعه قطعًا ، أي نعم .

كذلك إذا أحب الله عبدًا في السماء نادى جبريل إني أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل ، ثم ينادي جبريل في أهل السماء في الملائكة وهكذا في كل سماء ثم يُوضع له القبول في الأرض ، هذه مظهر من مظاهر هذا التوحد مع الكائنات من حولنا ، أي نعم .

يقول تبارك وتعالى { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به } وانظر لكلمة يؤمنون به لأنها كما قلنا المادة اللاصقة النسيج الضام { ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا } يؤمنون به وآمنوا هذا هو الرابط العقيدة الهوية الإسلامية { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلمًا فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } .

تأمل قول الله سبحانه وتعالى في أبي لهب الذي هو عم النبي صلى الله عليه وسلم { سيصلى نارًا ذات لهب } وقابل ذلك بمكانة سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي رضي الله عنهم أجمعين ، ما خُوطِبوا أبدًا على أساس أن هويتهم أن هذا رومي وهذا فارسي وهذا حبشي ، كلا وإنما كلهم متساوون كأسنان المشط أمام هذه العقيدة وهذا التوحيد ، يقول الشاعر

لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

الذي هو عم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لكن بسبب الكفر انظر ما آل إليه حاله .

أجمع العلماء على أن الرجل إذا مات ، طبعًا أنتم تعرفون أن الميراث دليل القرابة ، الإنسان يرث من بينه وبينه رابطة قرابة ، الميراث دليل القرابة فحيث لا ميراث إذن لا قرابة ، أجمع العلماء على أن الرجل إذا مات وليس له من الأقرباء إلا ابن واحد كافر فإرثه يؤول إلى إخوانه المسلمين بأخوة الإسلام ؛ لأن هذه هي القرابة ، لإخوانه المسلمين ، ولا يكون الإرث لولده لصلبه الذي هو كافر ، والميراث دليل القرابة ، فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية .

ويقول صلى الله عليه وسلم ( المسلمون تتكافأ دماهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ) بصفة الإسلام ، ما قال المصريون ما قال الشاميون ما قال اليمانيون وإنما قال المسلمون وهكذا ، حتى كل خطاب في القرآن { يا أيها الذين ءامنوا } ما يخاطب قومًا بغير الهوية الإسلامية ، اعتبر أيضًا هذا المعنى بقول الله تبارك وتعالى مخاطبًا نوحًا عليه السلام في شأن ابنه الكافر { قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } في قراءة { إنه عمِل غير صالح } واضح ، هو طبعًا قطعًا هو ابنه لصلبه ، هو ابنه من صلبه ، لكن الميزان عند الله سبحانه وتعالى وفي ضوء الهوية الإسلامية ومدار الأهلية هو القرابة الدينية { قال يا نوح إنه ليس من أهلك } لماذا ؟ { إنه عمل غير صالح } لم يكن معك على عقيدة التوحيد ولم يكن مندمجًا في الهوية الإسلامية كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه"ألا وإن ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته ، ألا وإن عدو محمد من عصى الله وإن قربت لحمته".

اعتبر ذلك أيضًا بقصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه الكافرين ، تأمل قوله عز وجل { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برؤاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت