تأمل موقف المسيح عليه السلام مع قومه بني إسرائيل كيف انقسموا فورًا إلى أنصار مؤمنين وأعداء كافرين على أساس موقفهم من دعوتهم إلى الاندماج في العقيدة الإسلامية ، وتأمل كيف أيضًا يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نقتدي بهم في هذا ، يقول تعالى { يا أيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } في الحال صاروا أعداء لما خالفوهم في هذه العقيدة .
الحقيقة هم الكفار يستكثرون علينا هذه الرابطة وهذه الهوية في حين أنهم يعني تصرفاتهم تُبنى على أساس هذه الهوية ، أنا يحضرني الآن أنموذجًا عابرًا يعني والحديث ذو شجون لكن لالتزام الاختصار قدر المستطاع اقتصر على ذكر مثالين كيف أن الهوية العقائدية هي التي تهدف وتوجه سلوك هؤلاء القوم .
في كتاب"الصربيون خنازير أوروبا"للدكتور عبد الحي الفرماوي يقول في رحلة من رحلات عبد الناصر لحضور أحد مؤتمرات عدم الانحياز في بلجراد أعد المسلمون في يوغسلافيا ، طبعًا المسلمون طوال عمرهم في يوغسلافيا يعانون أشد العذاب ، وكان من أشد الناس عليهم تيتو جوزيف بيروستي صاحب دعوة عدم الانحياز المعروفة ، فالمهم إن أعد المسلمين في يوغسلافيا قالوا بقى يعني عبد الناصر جاي من مصر بلد الأزهر وبلد الإسلام وفي صداقة حميمة بينه وبين تيتو ، فأعدوا مذكرة لعرضها على الرئيس جمال عبد الناصر بصفته زعيم مصر الإسلامية بلد الأزهر الشريف وموطن الأئمة الأعلام من العلماء والمحدثين والفقهاء ، ومقر مجمع البحوث الإسلامية ومجمع اللغة العربية والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، هذه المذكرة كان الغرض منها أن يتدخل جمال عبد الناصر لدى صديقه تيتو حتى يخفف من وطأة النظام الشيوعي على المسلمين في يوغسلافيا ، لا سيما في البوسنة والهرسك وعاصمتها سرايفو حيث يشكل المسلمون فيها أغلبية ساحقة بالنسبة إلى بقية البلدان الأخرى التي يتشكل منها الاتحاد اليوغسلافي ، اشتملت المذكرة على المعاناة التي يلاقيها المسلمون على يد الشيوعيين اليوغسلاف وعلى حرمانهم من معظم الحقوق المشروعة التي يتمتع بها المواطن العادي ، وعلى القوانين الجائرة التي كان يصدرها تيتو والتي كانت تستهدف المسلمين وحدهم دون بقية الطوائف الأخرى في مجالات التعليم والثقافة والحقوق السياسية والتمثيل النيابي ، وفي التضييق عليهم عند ممارستهم شعائرهم الدينية ، وفي إهمال مساجدهم فلا بناء لجديد ولا ترميم لقديم ، مما جعل معظم المساجد آيلة للسقوط ، وما أن تسلم عبد الناصر المذكرة العادلة من أحد زعماء المسلمين على رأس وفد من علماء سرايفو عاصمة البوسنة والهرسك حتى امتعض وجهه وتقطب جبينه ، وقال بالحرف لرئيس الوفد إن مصر لن تسمح بأن تقحم نفسها في الشئون الداخلية للدول الصديقة وأرجو ألا يتكرر ذلك مرة أخرى ، ثم أنهى المقابلة وزيادة في مضايقة وفد المسلمين الذي جاء بالمذكرة ومجاملة لتيتو ألغى عبد الناصر المنح التعليمية والأزهرية لطلبة المسلمين في البوسنة والهرسك هذا العام .
إن جمال عبد الناصر الذي رفض مذكرة علماء المسلمين في يوغسلافيا هو نفس جمال عبد الناصر الذي استجاب لمطلب نيكيتا خروشوف رئيس الاتحاد السوفياتي في زيارته القاهرة لحضور حفل غمر أنفاق السد العالي بالمياه ، فحين هبط خروشوف إلى مطار القاهرة كان جمال عبد الناصر في استقباله ، وبعد أن صافح كل منهما الآخر وضع خروشوف يده في جيبه الأيمن وأخرج كشفًا بأسماء الشيوعيين المصريين في السجون والمعتقلات وقال في دعابة خبيثة لن أحضر احتفال غمر الأنفاق بالمياه قبل أن يُفرج عن عن إخوانه في العقيدة وفي الهوية ، قال لن أحضر احتفال غمر الأنفاق بالمياه قبل أن يُفرج عن الشيوعيين المصريين في سجون مصر ومعتقلاتها ، وقبل أن يغادر الرئيسان مطار القاهرة كانت التعليمات قد صدرت إلى مدير مصلحة السجون وأجهزة الأمن الأخرى بالإفراج عن الرفاق المحظوظين الواردة أسماءهم في كشف خروشوف ، رغم أن بعضهم كان مدانًا بجريمة الخيانة العظمى ، ومع ذلك فلم يعتبر عبد الناصر ما حدث من خروشوف تدخلًا سافرًا عريانًا في شئون مصر الداخلية .
طبعًا نفس الشيء حصل لما قدمت مذكرة طبق الأصل من مذكرة عبد الناصر لأحمد سوكارنو وكان مصيرها نفس المذكرة .
الموقف الآخر أيضًا من يوغسلافيا فيما يتعلق بمعاملة تيتو معاملة وحشية للمسلمين ، يعني هذه المذابح الأخيرة لفتت النظر ، أما المذابح القديمة على يد خروشوف وقبله أيضًا بعد الحرب العالمية فما يكاد يسمع عنها أحد شيئًا ، أصلًا في كثير من المسلمين ما كانوا يعرفوا أن يوغسلافيا فيها هذا الكم الهائل من الشعوب الإسلامية في دولة في منطقة البلقان أو حتى في الجمهوريات السوفياتية ، أي نعم لماذا ؟ لأننا نهمل الاطلاع ومعرفة أجزاء جسدنا ، ولا نعرف هويتنا ، أي نعم .
كان هناك كاتب إسلامي يُدعى علي عزت بيجوفيتش اللي هو الرئيس الحالي ليوغسلافيا كان قد ألف كتابًا في سنة (1970) اسمه البيان الإسلامي ، اعتبر تيتو وحكومته الشيوعية هذا الكتاب خطرًا يهدد أوروبا الشيوعية ، وماذا قالوا في إدانة هذا الكتاب ؟ قالوا إن هذا الكتاب ميثاق عمل إسلامي يضم المسلمين من أندونيسيا حتى المغرب في اتحاد وثيق متكاتف ، وفور ظهور هذا الكتاب كتاب البيان الإسلامي اعتقلوا صاحبه علي عزت بيجوفيتش وألقوه في غياهب السجون .
خلال إحدى زيارات تيتو المتكررة لمصر طلب الشيخ الباقوري وزير الأوقاف حينئذ من الرئيس عبد الناصر أن يفاتح تيتو في الإفراج عن الزعيم المسلم الذي أُودع المعتقل ويجري تعذيبه في بلجراد ، عندما استفسر جمال من صديقه تيتو عن هذا الموضوع أجابه قائلًا إن هذا الرجل أخطر من تنظيم الإخوان المسلمون عندكم في مصر وهو يطالب بأن تتولى الحركة الإسلامية السلطة في أي بلد تكون لها فيه الأكثرية العددية ، كما أن هذا الرجل يرفض كل ما هو غير إسلامي في مجتمع المسلمين ، ثم توقف تيتو قليلًا وسأل عبد الناصر لماذا تتوسط له وأنت تتخذ نفس الموقف منهم في مصر ؟ وسكت عبد الناصر لقوة الحجة والمنطق التي تحدث بها تيتو .
خلاصة الكلام يعني هذا موقف عقائدي ينطوي على انتماء لهوية تتجاوز حدود الأرض والأوطان إلى لكي تكون العقيدة هي المسيطرة ، فلماذا يكون ذلك حلالًا لهم حرامًا علينا ؟ .
إن الهوية الإسلامية المتميزة هي فطرة الله التي فطر الناس عليها { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة } لا يعرفها ثم يرغب عنها إلا من سفه نفسه ، وإلا من استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير .