فهرس الكتاب

الصفحة 1035 من 1037

ثانيًا: تهيئة الأجواء التي تعين على الإيمان والتوحيد والإسلام ، وترغيب الناس بهذا الحق واليقين ، وإخراجهم من الفتنة والضلال والباطل ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

ثالثًا: سد أبواب الفتنة والضلال والكفر ، والفساد والأهواء والشهوات المتفلتة ، واتخاذ الأسباب اللازمة لحماية فطرة الإنسان ، الفطرة التي فطر الله الناس عليها لتكون منطلق الإيمان والتوحيد ، قادرة على استقبال رسالات الأنبياء والدين الواحد .

رابعًا: إن هذه القضية بلغت أهميتها وخطورتها أن أصبحت أساس الأمانة التي حملها الإنسان وأبتها السموات والأرض والجبال . وأشفقن منها ، إنها الأمانة التي يكون الإنسان بها غير ظالم ولا جاهل ، وبتركها يصبح (( ظلومًا جهولًا ) ) [ الأحزاب 72 ] ! وهي الأمانة التي يقوم عليها معنى العبادة التي خلق الله الإنسان لأجلها والخلافة التي جعلت له ، والعمارة التي أمر بها .

وعلى هذه الأسس تصاغ الشعارات والمصطلحات ، وتسن القوانين ، وتوضع مناهج التربية والبناء ، وتقوم العلاقات بين المؤمنين وغيرهم .

وثيقة الرسول مع يهود:

يذكر بعض المسلمين هذا التعبير على النحو التالي:"لقد تضمنت الوثيقة التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة أوضح صورة للتعايش والتعاون كما يسعى إليه الإسلام ، فقد تضمّنت حرية العقيدة وحرية الرأي …"!

ولو رجعنا إلى نص الوثيقة لوجدناها تختلف عما ذكر اختلافًا واسعًا . فهي أولًا ليست وثيقة كتبها الرسول صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة وحدهم ، إنها مع أهل يثرب وقبائلها كلها ، ولنستمع إلى ما تقوله الوثيقة:"هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم"! ثم ذكرت الوثيقة المهاجرين من قريش ، ثم قبائل يثرب ثم اليهود ، ثم تذكر الوثيقة العلاقات ، ولنستمع إلى ما تنص عليه الوثيقة في بعض فقراتها:

ألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه .

وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسعيه ظلم أو إثمًا أو عدوانًا أو

فسادًا بين المؤمنين ، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم .

ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر ، ولا ينصر كافرًا على مؤمن .

وأن ذمة الله واحدة . يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالى بعض دون الناس .

وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه .

وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وأمن بالله واليوم الآخر أم ينصر محدثًا أو يؤويه وأن

من نصره أو أواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة . ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل .

وأنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد .

ونصوص أخرى تفصّل في العلاقات والمسؤوليات والحقوق لا تجد فيها نصًا مبهمًا أو عائمًا أو متفلتًا .

جميع النصوص تقوم على القواعد التي ذكرناها ، والتي تبين أهمها ونذكّر به حتى لا تختلط الصورة والتعبيرات:

فالوثيقة تنص بشكل صريح حاسم على أن الحكم في المدينة لدين واحد فقط هو الإسلام ، هو لله ولرسوله .

وتنص كذلك على أن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس ، وأنه لا يقتل مؤمن مؤمنًا بكافر ، ولا ينصر كافرًا على مؤمن ، وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه ، فالمؤمنون إذن أمة واحدة تربطهم الموالاة التي تجعلهم أمة واحدة من دون الناس . والولاء والموالاة علاقة شرعها الله للمؤمنين ورابطة تقوم عليها أخوة الإيمان .

فالحكم إذن للإسلام ، والإسلام هو أحسن هدي وأقومه ولا يُنصر كافر على مؤمن ولا يقتل مؤمن بكافر ، إنها تعبيرات محددة واضحة مفصلة لا تترك أمرًا عائمًا .

وعندما جاء النص:"وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .."جاء النص مرتبطًا بسائر النصوص مبنيًا عليها لا ملغيًا لها ، فاليهود أمة والمؤمنون أمة ولكنهم كلهم بحكمهم الإسلام وكل ما اختلف فيه مرده إلى الله وإلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وجميع من في يثرب يحمل مسؤولية الدفاع عنها وحمايتها من خلال الشروط والأسس التي ذكرناها .

وشرع الله للمسلمين أن يكون أهل الكتاب أهل ذمة يرتبطون مع المؤمنين بمواثيق وعهود يصبحون بها قوة لتنصر الإسلام والمؤمنين لا لتحاربهم ، لهم دينهم وليس لهم أن يحكم دينهم أو لا أن ترد الأمور إليه ، لهم أن يتبعوا فيما بينهم أحكام دينهم ، وليس لهم أن يدعوا لها وأن ينشروها ، فذلك حق المؤمنين الذين هم على أحسن هدي وأقومه .

وان من يعادي الإسلام ويحاربه فعلى اليهود نصرة المؤمنين . في مثل هذه التفصيلات الأساسية التي ذكرنا بعضها يأخذ أهل الكتاب حرية عقيدتهم ويظل المؤمنون يدعونهم إلى الإسلام لينقذوهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .

أما الكافرون من قريش وغيرهم ، وقريش أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم قربى ونسب ورحم ، لكنهم حاربوا الله ورسوله فانقطعت حمية النسب إلا في أن يدعوا إلى الإيمان والإسلام ، وتعلن الوثيقة قطع الصلات معهم ، وبوادر الحرب معهم وتدعو إلى محاربتهم والتميز عنهم ولا تعطيهم أي حقوق ، ولا تُقرهم على كفر أبدًا ولا تعطيهم حق الدعوة إلى كفرهم ولا نشر مذهبهم وأفكارهم وآدابهم .

وكذلك شأن كل محدث والمحدث هو الذي يُحدث شيئًا مخالفًا للإسلام الذي يحكم المدينة كلها ، ويخضع له كل من فيها ، هذا المحدث لا حقوق له ، ولا يحل نصره ولا إيواؤه ، ولا مساعدته ومن يفعل ذلك فعليه لعنة الله .

فهل هذه الشروط كلها توحي بأن نقول إن الإسلام يدعو إلى"حرية العقيدة"بهذا التعبير المتفلّت والمصطلح العائم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت