فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 1037

بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ , مَفْهُومٌ عَامٌّ قَدْ خُصِّصَ بِمَا دَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ فَرْضِيَّتِهِ . حَدُّ الضَّرُورَةِ الْمُبِيحَةِ: 92 - قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ: مَعْنَى الضَّرُورَةِ فِي الْآيَاتِ خَوْفُ الضَّرَرِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ أَعْضَائِهِ بِتَرْكِهِ الْأَكْلَ . وَقَدْ انْطَوَى تَحْتَهُ مَعْنَيَانِ: ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَحْصُلَ فِي وَضْعٍ لَا يَجِدُ غَيْرَ الْمَيْتَةِ . ( وَالثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا مَوْجُودًا , وَلَكِنَّهُ أُكْرِهَ عَلَى أَكْلِهَا بِوَعِيدٍ يُخَافُ مِنْهُ تَلَفُ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفُ بَعْضِ أَعْضَائِهِ . وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ بِالْآيَةِ عِنْدَنَا لِاحْتِمَالِهِمَا . وَحَالَةُ الْإِكْرَاهِ يُؤَيِّدُ دُخُولَهَا فِي مَعْنَى الِاضْطِرَارِ قَوْلُ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام: { إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } . وَيُؤْخَذُ مِنْ"الدُّرِّ الْمُخْتَارِ"أَنَّ الضَّرُورَةَ تَشْمَلُ خَوْفَ الْهَلَاكِ , وَخَوْفَ الْعَجْزِ عَنْ الصَّلَاةِ قَائِمًا أَوْ عَنْ الصِّيَامِ . وَفَسَّرَ"الشَّرْحُ الصَّغِيرُ"لِلْمَالِكِيَّةِ الضَّرُورَةَ بِخَوْفِ الْهَلَاكِ أَوْ شِدَّةِ الضَّرَرِ . وَفَسَّرَهَا الرَّمْلِيُّ الشَّافِعِيُّ فِي"نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ"بِخَوْفِ الْمَوْتِ أَوْ الْمَرَضِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مَحْذُورٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ , وَكَذَا خَوْفُ الْعَجْزِ عَنْ الْمَشْيِ , أَوْ التَّخَلُّفِ عَنْ الرُّفْقَةِ إنْ حَصَلَ لَهُ بِهِ ضَرَرٌ , وَكَذَا إجْهَادُ الْجُوعِ إيَّاهُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الصَّبْرُ . وَالْمَحْذُورُ الَّذِي يُبِيحُ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ حُدُوثُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوْ اسْتِحْكَامُهُ , أَوْ زِيَادَةُ مُدَّتِهِ , أَوْ حُصُولُ شَيْنٍ فَاحِشٍ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ , بِخِلَافِ الشَّيْنِ الْفَاحِشِ فِي عُضْوٍ بَاطِنٍ . وَالظَّاهِرُ: مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمَهْنَةِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ , وَالْبَاطِنُ: بِخِلَافِهِ . وَيُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الطَّبِيبِ الْعَدْلِ فِي الرِّوَايَةِ . وَإِذَا كَانَ الْمُضْطَرُّ عَارِفًا فِي الطِّبِّ عَمِلَ بِمُقْتَضَى مَعْرِفَتِهِ , وَلَا يُعْمَلُ بِتَجْرِبَتِهِ إنْ كَانَ مُجَرِّبًا , عَلَى مَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُعْمَلُ بِهَا , وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ فَقْدِ الطَّبِيبِ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إنَّ الضَّرُورَةَ أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ فَقَطْ لَا مَا دُونَهُ , هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ , وَقِيلَ: إنَّهَا تَشْمَلُ خَوْفَ التَّلَفِ أَوْ الضَّرَرَ , وَقِيلَ: أَنْ يَخَافَ تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا أَوْ مَرَضًا أَوْ انْقِطَاعًا عَنْ الرُّفْقَةِ يُخْشَى مَعَهُ الْهَلَاكُ .

إظْهَارُ الْمَرْءِ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ فِي الْعَقَائِدِ :

7 -إنَّ إظْهَارَ الْمَرْءِ غَيْرَ مَا يُبْطِنُ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ , كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ , لَا يَخْرُجُ عَنْ حَالَيْنِ: فَهُوَ إمَّا أَنْ يُظْهِرَ الْإِيمَانَ بِهَا وَيُبْطِنَ الْكُفْرَ , أَوْ يُظْهِرَ الْكُفْرَ بِهَا وَيُبْطِنَ الْإِيمَانَ . أ - فَإِنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ بِهَا وَأَبْطَنَ الْكُفْرَ فَهُوَ نِفَاقٌ مُخَلِّدٌ لِصَاحِبِهِ فِي النَّارِ , قَالَ تَعَالَى: { إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ , وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إنَّك لَرَسُولُهُ , وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } . وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ تَحْتَ مُصْطَلَحِ"نِفَاقٌ"إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ب - أَمَّا إنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ وَأَبْطَنَ الْإِيمَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ: الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَهُ طَوَاعِيَةً , فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالظَّاهِرِ مِنْ حَالِهِ , لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ تَجْرِي عَلَى الظَّاهِرِ . الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُظْهِرَ مَا أَظْهَرَهُ مُكْرَهًا وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ , وَعِنْدَئِذٍ تَبْقَى أَحْكَامُ الْإِيمَانِ جَارِيَةً عَلَيْهِ . كَمَا فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي بَحْثِهِمْ فِي الرِّدَّةِ وَفِي الْإِكْرَاهِ , لقوله تعالى: { مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ , وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ , وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .

الثَّانِي - الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت