فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 1037

17 -أَوَّلًا: التَّكْلِيفُ وَهُوَ هُنَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ , فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ بِاتِّفَاقٍ ; لِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَفِعْلُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَا يُوصَفُ بِالْجِنَايَةِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا لِعَدَمِ الْجِنَايَةِ مِنْهُمَا . وَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ يُؤَدَّبُ لِلزَّجْرِ . 18 - ثَانِيًا: الْإِسْلَامُ: فَلَا حَدَّ عَلَى الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ الْمُسْتَأْمَنِ بِالشُّرْبِ وَلَا بِالسُّكْرِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ: وَشُرْبُ الْخَمْرِ مُبَاحٌ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِنَا فَلَا يَكُونُ جِنَايَةً , وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا لَكَنَنَّا نُهِينَا عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ , وَفِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ تَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِأَنَّنَا نَمْنَعُهُمْ مِنْ الشُّرْبِ . وَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُمْ إذَا شَرِبُوا وَسَكِرُوا يُحَدُّونَ لِأَجْلِ السُّكْرِ لَا لِأَجْلِ الشُّرْبِ لِأَنَّ السُّكْرَ حَرَامٌ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا . قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ حَسَنٌ . وَجَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ:"إنْ سَكِرَ الذِّمِّيُّ مِنْ الْحَرَامِ حُدَّ فِي الْأَصَحِّ لِحُرْمَةِ السُّكْرِ فِي كُلِّ مِلَّةٍ"وَجَاءَ بِهَا أَيْضًا قَوْلُهُ: حُدَّ فِي الْأَصَحِّ أَفْتَى بِهِ الْحَسَنُ وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ . وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ كَمَا فِي النَّهَرِ عَنْ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ وَقَالَ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلَا يُحَدُّ الذِّمِّيُّ بِشُرْبِهِ وَإِنْ سَكِرَ وَعَنْهُ يُحَدُّ وَعِنْدِي إنْ سَكِرَ حُدَّ وَإِلَّا فَلَا . وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ الذِّمِّيَّ يُؤَدَّبُ بِالشُّرْبِ إنْ أَظْهَرَهُ . 19 - ثَالِثًا: عَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ , بِأَنْ يَشْرَبَهَا مُخْتَارًا لِشُرْبِهَا , وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ . فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِهَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ الرَّسُولِ: { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } وَلِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ بِالْإِكْرَاهِ حَلَالٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً فَلَا حَدَّ وَلَا إثْمَ . وَسَوَاءٌ أُكْرِهَ بِالْوَعِيدِ وَالضَّرْبِ أَوْ أُلْجِئَ إلَى شُرْبِهَا بِأَنْ يُفْتَحَ فُوهُ وَتُصَبَّ فِيهِ . نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ . وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ , عَلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ يَكُونُ بِالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ أَوْ بِإِتْلَافِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ بِالضَّرْبِ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ أَيْ: بِقَيْدٍ أَوْ سَجْنٍ شَدِيدَيْنِ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ لِسَحْنُونٍ . وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهَا لِدَفْعِ غُصَّةٍ بِهَا إذَا لَمْ يَجِدْ مَائِعًا سِوَاهَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ: { فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ } . وَلِأَنَّ الْحَدَّ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَتَسْتَدْعِي جِنَايَةً مَحْضَةً وَالشُّرْبُ لِضَرُورَةِ الْغُصَّةِ حَلَالٌ فَلَمْ يَكُنْ جِنَايَةً . وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ . وَإِنْ شَرِبَهَا لِعَطَشٍ فَالْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ: إنْ كَانَتْ مَمْزُوجَةً بِمَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ أُبِيحَتْ لِدَفْعِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَكَإِبَاحَتِهَا لِدَفْعِ الْغُصَّةِ . وَقَدْ رُوِيَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ أَنَّهُ أَسَرَهُ الرُّومُ , فَحَبَسَهُ طَاغِيَتُهُمْ فِي بَيْتٍ فِيهِ مَاءٌ مَمْزُوجٌ بِخَمْرٍ وَلَحْمُ خِنْزِيرٍ مَشْوِيٌّ لِيَأْكُلَهُ وَيَشْرَبَ الْخَمْرَ , وَتَرَكَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَلَمْ يَفْعَلْ , ثُمَّ أَخْرَجُوهُ حِينَ خَشُوا مَوْتَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ اللَّهُ أَحَلَّهُ لِي فَإِنِّي مُضْطَرٌّ وَلَكِنْ لَمْ أَكُنْ لِأُشْمِتَكُمْ بِدِينِ الْإِسْلَامِ . وَإِنْ شَرِبَهَا صِرْفًا أَوْ مَمْزُوجَةً بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يَرْوِي مِنْ الْعَطَشِ لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَحِلُّ شُرْبُهَا لِلْعَطَشِ لقوله تعالى: { إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , الْأَصَحُّ تَحْرِيمُهَا لِعَطَشٍ وَجُوعٍ وَلَكِنْ لَا يُحَدُّ وَقَالُوا: إنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ عَطَشٍ جَازَ لَهُ شُرْبُهَا .

شُرْبُ الْمُسْكِرِ لِلتَّدَاوِي :

20 -إنْ شَرِبَ الْمُسْكِرَ لِلتَّدَاوِي ( لَمْ يُبَحْ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ ) وَالْمَالِكِيَّةِ , وَالْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَيُحَدُّ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ إبَاحَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ لِلتَّدَاوِي بِحَدِيثِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ مِنْ أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ أَنَّهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت