فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 1037

54 -لَا تُشْتَرَطُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الطَّوَاعِيَةُ - أَيْ الِاخْتِيَارُ - فِي الْحَالِفِ , وَلَا الْعَمْدُ - أَيْ الْقَصْدُ - فَتَصِحُّ عِنْدَهُمْ يَمِينُ الْمُكْرَهِ وَالْمُخْطِئِ , وَهُوَ مَنْ أَرَادَ غَيْرَ الْحَلِفِ فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى الْحَلِفِ , كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: اسْقِنِي الْمَاءَ , فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ الْمَاءَ ; لِأَنَّهَا مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْإِكْرَاهُ وَالْخَطَأُ , كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: تُشْتَرَطُ الطَّوَاعِيَةُ وَالْعَمْدُ , فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ الْمُكْرَهِ وَلَا الْمُخْطِئُ , غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ فِي الْمُكْرَهِ عَلَى الْيَمِينِ: إذَا نَوَى الْحَلِفَ صَحَّتْ يَمِينُهُ . لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُلْغِي اللَّفْظَ , وَإِنَّمَا يَصِيرُ بِهِ الصَّرِيحُ كِنَايَةً , وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ , فَإِنَّ إلْغَاءَ كَلَامِ الْمُكْرَهِ لَا وَجْهَ لَهُ , إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهِ , وَلَمْ يَقْصِدْ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ , فَإِذَا قَصَدَ اسْتِعْمَالَهُ فِي مَعْنَاهُ كَانَ هَذَا أَمْرًا زَائِدًا لَا تَدْعُو إلَيْهِ الضَّرُورَةُ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا: لَا يَلْزَمُ الْمُكْرَهَ التَّوْرِيَةُ وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا . وَالتَّوْرِيَةُ هِيَ: أَنْ يُطْلِقَ الْإِنْسَانُ لَفْظًا هُوَ ظَاهِرٌ فِي مَعْنًى وَيُرِيدُ بِهِ مَعْنًى آخَرَ يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ اللَّفْظُ , وَلَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِهِ . عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْجِدُّ فِي الْحَالِفِ: 55 - الْجِدُّ - بِكَسْرِ الْجِيمِ - فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ مَعْنَاهُ: أَنْ يَنْطِقَ الْإِنْسَانُ بِاللَّفْظِ رَاضِيًا بِأَثَرِهِ , سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْتَحْضِرًا لِهَذَا الرِّضَى أَمْ غَافِلًا عَنْهُ , فَمَنْ نَطَقَ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ نَاوِيًا مَعْنَاهُ , أَوْ غَافِلًا عَنْ هَذِهِ النِّيَّةِ , مُرِيدًا أَثَرَهُ أَوْ غَافِلًا عَنْ هَذِهِ الْإِرَادَةِ يُقَالُ لَهُ جَادٌّ , فَإِنْ أَرَادَ تَجْرِيدَ اللَّفْظِ عَنْ أَثَرِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا إكْرَاهٍ , فَنَطَقَ بِهِ لَعِبًا أَوْ مِزَاحًا كَانَ هَازِلًا , وَالْهَزْلُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْقَوْلِيَّةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ , فَمَنْ حَلَفَ بِصِيغَةٍ صَرِيحَةٍ لَاعِبًا أَوْ مَازِحًا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: { ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ , وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ } وَيُقَاسُ عَلَى مَا فِي الْحَدِيثِ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْفَسْخَ , وَمِنْهَا صِيغَةُ الْيَمِينِ الصَّرِيحَةِ , وَأَمَّا الْكِنَايَةُ فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْهَازِلَ لَا نِيَّةَ لَهُ . قَصْدُ الْمَعْنَى وَالْعِلْمِ بِهِ: 56 - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ الصَّرِيحَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا: الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى , وَالْكِنَايَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا: قَصْدُ الْمَعْنَى , ذَكَرُوا هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَلَيْسَ خَاصًّا بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ , فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْيَمِينِ إذَا كَانَتْ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ: أَنْ يَعْلَمَ الْمُتَكَلِّمُ بِمَعْنَاهَا , فَلَوْ حَلَفَ أَعْجَمِيٌّ بِلَفْظٍ عَرَبِيٍّ صَرِيحٍ كَوَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ غَدًا , بِنَاءً عَلَى تَلْقِينِ إنْسَانٍ لَهُ , مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ مَعْنَاهُ لَمْ يَنْعَقِدْ . وَلَوْ قَالَ إنْسَانٌ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا لَمْ يَنْعَقِدْ إلَّا إذَا قَصَدَ مَعْنَى الْيَمِينِ ; لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا سَبَقَ . وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَةِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَحَدٌ . وَأَمَّا الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى فَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الطَّلَاقِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَضَاءِ , وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَهُ فِي الْيَمِينِ الصَّرِيحَةِ دِيَانَةً , لِأَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى .

التَّرْخِيصُ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ لِلضَّرُورَةِ :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت