الشُّهُودُ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ وَالْإِخَافَةَ , فَيَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ إذَا انْعَقَدَ قَبْلَ الْبَيْعِ , وَتَضَمَّنَ الْعَقْدُ شَهَادَةَ مَنْ يَعْرِفُ الْإِخَافَةَ وَالتَّوَقُّعَ الَّذِي ذَكَرَهُ . وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْبَيْعِ لِأَمْرٍ يَتَوَقَّعُهُ أَوْ يَخَافُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , بَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ حَتَّى بَعْدَ أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ , مَا دَامَ شُهُودُ الِاسْتِرْعَاءِ قَدْ عَرَفُوا الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ وَسَبَبَ الْإِخَافَةِ .
1 -الْبَيْعُ الْجَبْرِيُّ مُرَكَّبٌ مِنْ لَفْظَيْنِ:"الْبَيْعُ""وَالْجَبْرِيُّ"فَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ . وَالْجَبْرِيُّ: مِنْ جَبَرَهُ عَلَى الْأَمْرِ جَبْرًا: حَمَلَهُ عَلَيْهِ قَهْرًا . فَالْبَيْعُ الْجَبْرِيُّ فِي اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ هُوَ: الْبَيْعُ الْحَاصِلُ مِنْ مُكْرَهٍ بِحَقٍّ , أَوْ الْبَيْعُ عَلَيْهِ نِيَابَةً عَنْهُ , لِإِيفَاءِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ , أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ , أَوْ تَحْقِيقِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ . ( الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ ) : أ - الْإِكْرَاهُ عَلَى الْبَيْعِ: 2 - الْإِكْرَاهُ فِي اللُّغَةِ: حَمْلُ الْإِنْسَانِ عَلَى أَمْرٍ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ . وَفِي الشَّرْعِ: فِعْلٌ يُوجِدُهُ الْمُكْرِهُ فَيَدْفَعُ الْمُكْرَهَ إلَى مَا طَلَبَ مِنْهُ . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ الْجَبْرِيِّ: أَنَّ الْبَيْعَ الْجَبْرِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَقٍّ , أَمَّا الْبَيْعُ بِالْإِكْرَاهِ فَهُوَ فِي الْأَصْلِ أَعَمُّ , لَكِنَّ الْغَالِبَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْإِكْرَاهِ بِلَا حَقٍّ . ب - بَيْعُ التَّلْجِئَةِ: 3 - بَيْعُ التَّلْجِئَةِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يُظْهِرَا عَقْدًا وَهُمَا لَا يُرِيدَانِهِ , يَلْجَأُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمَالِ خَوْفًا مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ . فَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ الْجَبْرِيِّ أَنَّ بَيْعَ التَّلْجِئَةِ فِيهِ صُورَةُ الْبَيْعِ لَا حَقِيقَتُهُ .
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
4 -يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْبَيْعِ الْجَبْرِيِّ بِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ , فَإِنْ كَانَ لِإِيفَاءِ حَقٍّ , كَبَيْعِ مَالِهِ لِإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ , وَبِطَلَبِ صَاحِبِ الْحَقِّ فَهُوَ وَاجِبٌ , وَكَذَا إذَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ , كَتَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ الَّذِي ضَاقَ عَلَى الْمُصَلِّينَ , أَوْ الطَّرِيقِ الْعَامِّ . وَيَقُومُ الْبَيْعُ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ - كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْقَوْلِيَّةِ - عَلَى التَّرَاضِي الْحُرِّ عَلَى إنْشَائِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } وَخَبَرِ: { إنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ } وَلَا يُقِرُّ الْفُقَهَاءُ بَيْعًا لَمْ يَقُمْ عَلَى التَّرَاضِي مِنْ الْجَانِبَيْنِ: الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي , إلَّا مَا تُوجِبُهُ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ لِإِحْقَاقِ حَقٍّ , أَوْ تَحْقِيقِ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ , أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ خَاصٍّ أَوْ عَامٍّ , وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي عُرْفِهِمْ: الْإِكْرَاهُ الْمَشْرُوعُ , أَوْ الْإِكْرَاهُ بِحَقٍّ . وَمِنْهَا: الْعُقُودُ الْجَبْرِيَّةُ الَّتِي يُجْرِيهَا الْحَاكِمُ , إمَّا مُبَاشَرَةً نِيَابَةً عَمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إجْرَاؤُهَا , إذَا امْتَنَعَ عَنْهَا , أَوْ يُجْبَرُ هُوَ عَلَى إجْرَائِهَا . وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَمْثِلَةً لِلْجَبْرِ الْمَشْرُوعِ عَلَى الْبَيْعِ مِنْهَا: إجْبَارُ الْمَدِينِ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ: 5 - يُجْبَرُ الْمَدِينُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لِإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ , إذَا امْتَنَعَ عَنْ أَدَائِهِ وَلَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ , فَيَجْبُرُهُ الْحَاكِمُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ بِالتَّعْزِيرِ عَلَيْهِ بِالْحَبْسِ أَوْ الضَّرْبِ , فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ قَضَى الْحَاكِمُ الدَّيْنَ مِنْ مَالِهِ جَبْرًا عَلَيْهِ , إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ . هَذَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ . أَمَّا إذَا كَانَ مَالُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ كَالْعَقَارِ وَالْعُرُوضِ , فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَبِيعُ مَالَهُ عَلَيْهِ جَبْرًا نِيَابَةً عَنْهُ . وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ , لَا يَبِيعُ الْحَاكِمُ مَالَهُ عَلَيْهِ , بَلْ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَقُومَ بِإِيفَاءِ الدَّيْنِ بِبَيْعِ مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ , لِأَنَّ وِلَايَةَ الْحَاكِمِ - فِي نَظَرِ الْإِمَامِ - عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ , لَا عَلَى مَالِهِ , فَلَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ , وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تِجَارَةٌ وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِتَرَاضٍ , وَفِيهِ أَيْضًا نَوْعٌ مِنْ الْحَجْرِ الَّذِي لَا يُجِيزُهُ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَدْ خَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فِي ذَلِكَ , فَأَجَازَا بَيْعَ الْحَاكِمِ مَالَهُ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ بَيْعًا جَبْرِيًّا , وَرَأْيُهُمَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ فِي الْمَذْهَبِ .
ج - الْبَيْعُ بِالْإِكْرَاهِ: