فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 1037

بَيْعٌ تَكُونُ فِيهِ التَّلْجِئَةُ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ . وَمِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَتَّفِقَا فِي السِّرِّ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ أَلْفُ دِرْهَمٍ , ثُمَّ يُظْهِرَا الْبَيْعَ بِمِائَةِ دِينَارٍ , فَهَلْ يَبْطُلُ هَذَا الْبَيْعُ أَوْ يَصِحُّ بِالثَّمَنِ الْمُعْلَنِ ؟ ذَهَبَ مُحَمَّدٌ إلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَبْطُلُ قِيَاسًا , وَيَصِحُّ اسْتِحْسَانًا , أَيْ بِالثَّمَنِ الْمُعْلَنِ . وَمَحَلُّهُ - كَمَا جَاءَ فِي الْبَدَائِعِ - إنْ قَالَا عِنْدَ الْمُوَاضَعَةِ: إنَّ الثَّمَنَ الْمُعْلَنَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ , فَإِنْ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ فَالثَّمَنُ مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ , لِأَنَّ الثَّمَنَ اسْمٌ لِلْمَذْكُورِ عِنْدَ الْعَقْدِ , وَالْمَذْكُورُ عِنْدَ الْعَقْدِ إنَّمَا هُوَ مِائَةُ دِينَارٍ . وَوَجْهُ بُطْلَانِ هَذَا الْبَيْعِ عَلَى الْقِيَاسِ: هُوَ أَنَّ ثَمَنَ السِّرِّ لَمْ يَذْكُرَاهُ فِي الْعَقْدِ , وَثَمَنَ الْعَلَانِيَةِ لَمْ يَقْصِدَاهُ فَقَدْ هَزَلَا بِهِ , فَسَقَطَ وَبَقِيَ بَيْعًا بِلَا ثَمَنٍ فَلَا يَصِحُّ . وَوَجْهُ صِحَّتِهِ اسْتِحْسَانًا: هُوَ أَنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا بَيْعًا بَاطِلًا بَلْ بَيْعًا صَحِيحًا , فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ , وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ إلَّا بِثَمَنِ الْعَلَانِيَةِ , فَكَأَنَّهُمَا انْصَرَفَا عَمَّا شَرْطَاهُ فِي الْبَاطِنِ , فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ , كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَبِيعَاهُ بَيْعَ تَلْجِئَةٍ فَتَوَاهَبَا , بِخِلَافِ الْأَلْفِ وَالْأَلْفَيْنِ , لِأَنَّ الثَّمَنَ الْمَذْكُورَ الْمَشْرُوطَ فِي السِّرِّ مَذْكُورٌ فِي الْعَقْدِ وَزِيَادَةٌ , فَتَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِهِ . 12 - هَذَا وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ أَيْضًا أَنَّ هَذَا كُلَّهُ إذَا اتَّفَقَا فِي السِّرِّ وَلَمْ يَتَعَاقَدَا فِي السِّرِّ , أَمَّا إذَا اتَّفَقَا فِي السِّرِّ وَتَعَاقَدَا أَيْضًا فِي السِّرِّ بِثَمَنٍ , ثُمَّ تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُظْهِرَا الْعَقْدَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ بِجِنْسٍ آخَرَ , فَإِنْ لَمْ يَقُولَا: إنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ فَالْعَقْدُ الثَّانِي يَرْفَعُ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ , وَالثَّمَنُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي , لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَالْإِقَالَةَ , فَشُرُوعُهُمَا فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إبْطَالٌ لِلْأَوَّلِ , فَبَطَلَ الْأَوَّلُ وَانْعَقَدَ الثَّانِي بِمَا سُمِّيَ عِنْدَهُ . وَإِنْ قَالَا: رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ , فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ فَالْعَقْدُ هُوَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ , لِأَنَّهُمَا لَمَّا ذَكَرَا الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ فَقَدْ أَبْطَلَا الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ الثَّانِي , فَلَمْ يَصِحُّ الْعَقْدُ الثَّانِي , فَبَقِيَ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ . وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ فَالْعَقْدُ هُوَ الْعَقْدُ الثَّانِي , لِأَنَّ الْبَيْعَ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ , فَكَانَ الْعَقْدُ هُوَ الْعَقْدَ الثَّانِيَ لَكِنْ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ , وَالزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُمَا أَبْطَلَاهَا حَيْثُ هَزَلَا بِهَا . 13 - وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ بِالثَّمَنِ الْمُعْلَنِ , وَلَا أَثَرَ لِلِاتِّفَاقِ السَّابِقِ لِأَنَّهُ مُلْغًى , فَصَارَ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى شَرْطٍ فَاسِدٍ , ثُمَّ تَبَايَعَا بِلَا شَرْطٍ . 14 - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ , فَقَدْ جَاءَ فِي الْفُرُوعِ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ: أَنَّهُمَا لَوْ اتَّفَقَا قَبْلَ الْبَيْعِ عَلَى ثَمَنٍ , ثُمَّ عَقَدَا الْبَيْعَ بِثَمَنٍ آخَرَ أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الثَّمَنَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ . وَالثَّانِي: مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ كَالنِّكَاحِ . 15 - وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ , فَإِنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا فِي كُتُبِهِمْ بِبَيْعِ التَّلْجِئَةِ كَغَيْرِهِمْ , وَإِنَّمَا ذَكَرُوا بَيْعَ الْمُكْرَهِ وَالْمَضْغُوطِ وَبَيْعَ الْهَازِلِ , وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ , لَكِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَنْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَتَسْمِيَةِ مَهْرٍ لِلسِّرِّ وَمَهْرٍ لِلْعَلَانِيَةِ , وَبَيَّنُوا أَنَّ الْعَمَلَ بِمَهْرِ السِّرِّ إذَا كَانَتْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ عَلَى أَنَّ مَهْرَ الْعَلَنِ لَا عِبْرَةَ بِهِ , وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِلْأُبَّهَةِ وَالْفَخْرِ . فَإِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ وَاتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى مَهْرِ السِّرِّ عُمِلَ بِهِ , فَإِنْ اخْتَلَفَا حَلَّفَتْ الزَّوْجَةُ الزَّوْجَ إنْ ادَّعَتْ الرُّجُوعَ عَنْ صَدَاقِ السِّرِّ الْقَلِيلِ إلَى صَدَاقِ الْعَلَانِيَةِ الْكَثِيرِ , فَإِنْ حَلَفَ عُمِلَ بِصَدَاقِ السِّرِّ , وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ الزَّوْجَةُ عَلَى الرُّجُوعِ وَعُمِلَ بِصَدَاقِ الْعَلَانِيَةِ , فَإِنْ نَكَلَتْ عُمِلَ بِصَدَاقِ السِّرِّ . 16 - هَذَا , وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّبْصِرَةِ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ: أَنَّ الِاسْتِرْعَاءَ فِي الْبُيُوعِ لَا يَجُوزُ , مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ قَبْلَ الْبَيْعِ أَنَّهُ رَاجِعٌ فِي الْبَيْعِ , وَأَنَّ بَيْعَهُ لِأَمْرٍ يَتَوَقَّعُهُ , لِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ خِلَافُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ , وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ , إلَّا أَنْ يَعْرِفَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت