الباب الأول
نص الآية القرآنية وشرحها
قال تعالى:
« لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ {265} البقرة
( د ) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي السِّجِسْتَانِيَّ ح و حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ وَهَذَا لَفْظُهُ ح و حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَكُونُ مِقْلَاتًا فَتَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهَا إِنْ عَاشَ لَهَا وَلَدٌ أَنْ تُهَوِّدَهُ فَلَمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ قَالَ أَبُو دَاوُد الْمِقْلَاتُ الَّتِي لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ
أبو داود (2682) والطبر ي 3/14-18 و ابن كثير 1/311و3123 والإحسان (140) والبيهقي 9/186 والنسائي (11048) ابن أبي شيبة (12550 33759) والحلية 9 /34 وابن سعد6/158 والإصابة (1760 و9766) والمحلى 1/26 و8/286 و9/425 و11/160 و194 و195 و196
صحيح
( وهذا لفظه ) : أي لفظ ابن بشار ( عن شعبة ) : أي أشعث وابن أبي عدي ووهب بن جرير كلهم عن شعبة ( مقلاتا ) : بكسر الميم وسكون القاف المرأة التي لا يعيش لها ولد , وأصله من القلت وهو الهلاك , كذا في مرقاة الصعود ( فتجعل على نفسها ) : أي تنذر ( أن تهوده ) : بفتح أن مفعول تجعل , فإذا عاش الولد جعلته في اليهود , كذا في معالم التنزيل ( فلما أجليت ) : بصيغة المجهول جلا عن الوطن يجلو وأجلى يجلي إذا خرج مفارقا , وجلوته أنا وأجليته كلاهما لازم ومتعد ( بنو النضير ) : قبيلة من يهود ( فقالوا ) : أي الأنصار ( لا ندع ) : أي لا نترك ( لا إكراه في الدين ) : أي على الدخول فيه ( قد تبين الرشد من الغي ) : أي ظهر بالآيات البينات أن الإيمان رشد والكفر غي . قال في معالم التنزيل: فقال النبي صلى الله عليه وسلم"قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم"انتهى . قال الخطابي: في الحديث دليل على أن من انتقل من كفر وشرك إلى يهودية أو نصرانية قبل مجيء دين الإسلام فإنه يقر على ما كان انتقل إليه , وكان سبيله سبيل أهل الكتاب في أخذ الجزية منه وجواز مناكحته واستباحة ذبيحته , فأما من انتقل من شرك إلى يهودية أو نصرانية بعد وقوع نسخ اليهودية وتبديل ملة النصرانية فإنه لا يقر على ذلك . وأما قوله سبحانه وتعالى { لا إكراه في الدين } فإن حكم الآية مقصور على ما نزلت فيه من قصة اليهود وأما إكراه الكافر على دين الحق فواجب , ولهذا قاتلناهم على أن يسلموا أو يؤدوا الجزية ويرضوا بحكم الدين عليهم انتهى . قال المنذري: وأخرجه النسائي . عون المعبود
وفي الدرالمنثور:
آية 256
أخرج أبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن منده في غرائب شعبه وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في سننه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا لا ندع أبناءنا. فأنزل الله {لا إكراه في الدين} .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن سعيد بن جبير في قوله {لا إكراه في الدين} قال: نزلت في الأنصار خاصة. قلت: خاصة، كانت المرأة منهم إذا كانت نزورة أو مقلاة تنذر: لئن ولدت ولدا لتجعلنه في اليهود تلتمس بذلك طول بقاءه، فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت النضير قالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا وإخواننا فيهم، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزلت لا إكراه
في الدين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"قد خير أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم، فأجلوهم معهم".
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الشعبي قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم، فقالوا: إنما جعلناهم على دينهم، ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإن الله جاء بالاسلام فلنكرهنهم، فنزلت {لا إكراه في الدين} فكان فصل ما بينهم إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، فلحق بهم من لم يسلم، وبقي من أسلم.
وأخرج سعيد بن منمصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان ناس من الأنصار مسترضعين في بني قريظة فثبتوا على دينهم، فلما جاء الإسلام أراد أهلوهم أن يكرهوهم على الإسلام، فنزلت {لا إكراه في الدين} .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن مجاهد قال"كانت النضير أرضعت رجالا من الأوس، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم قال أبناؤهم من الأوس: لنذهبن معهم ولندينن دينهم، فمنعهم أهلوهم وأكرهوهم على الإسلام، ففيهم نزلت هذه الآية {لا إكراه في الدين} ".
وأخرج ابن جرير عن الحسن. أن ناسا من الأنصار كانوا مسترضعين في بني النضير، فلما أجلوا أراد أهلوهم أن يلحقوهم بدينهم، فنزلت {لا إكراه في الدين} .
وأخرج ابن إسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله {لا إكراه في الدين} قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلا مسلما، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك.