وَفِيمَا يَلِي أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْقِنِّ , ثُمَّ أَحْكَامُ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُبَعَّضِ . أَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ , وَالْمُكَاتَبُ , وَالْمُدَبَّرُ , فَتُنْظَرُ أَحْكَامُهُمْ فِي ( اسْتِيلَادٌ ) , ( تَدْبِيرٌ ) , ( مُكَاتَبَةٌ ) . النَّوْعُ الْأَوَّلُ أَحْكَامُ الرَّقِيقِ الْقِنِّ الْمَمْلُوكِ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ حُقُوقُ السَّيِّدِ وَوَاجِبَاتُ رَقِيقِهِ تُجَاهَهُ: لِلسَّيِّدِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً عَلَى مَمَالِيكِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ حُقُوقٌ يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ مُرَاعَاتُهَا , مِنْهَا: 12 - أَوَّلًا: طَاعَتُهُ لِلسَّيِّدِ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْهُ , وَلَا يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ الطَّاعَةِ بِقَيْدٍ إلَّا مَا وَرَدَ التَّقْيِيدُ بِهِ شَرْعًا , وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: أ - أَنْ يَأْمُرَهُ السَّيِّدُ بِأَمْرٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى كَشُرْبِ خَمْرٍ , أَوْ سَرِقَةٍ , أَوْ إيذَاءٍ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ , وَذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: { لَا طَاعَةَ لِأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ } وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أَيْ غَفُورٌ لَهُنَّ رَحِيمٌ بِهِنَّ حَيْثُ أُكْرِهْنَ عَلَى مَا لَا يَحِلُّ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا لَوْ أُجْبَرُ السَّيِّدُ رَقِيقَهُ الْمُسْلِمَ عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ , هَذَا مَعَ مُرَاعَاةِ أَنَّ بَعْضَ الْفَرَائِضِ اللَّازِمَةِ لِلْأَحْرَارِ سَاقِطَةٌ شَرْعًا عَنْ الْأَرِقَّاءِ , كَالْحَجِّ , وَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ . ب - أَنْ يَكُونَ كَافِرًا فَيَجْبُرَهُ سَيِّدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ , فَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّقِيقِ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ . وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ تَكُونَ كَافِرَةً غَيْرَ كِتَابِيَّةٍ وَيَرْغَبَ سَيِّدُهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا , فَيَجْبُرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ لِتَحِلَّ لَهُ , فَرَأَى الْحَلِيمِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ لِإِزَالَةِ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ , قَاسَهُ عَلَى جَوَازِ إجْبَارِهَا عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَغُسْلِ الْحَيْضِ . وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافُ ذَلِكَ . وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ السَّيِّدَ إنْ حَمَلَ رَقِيقَهُ عَلَى الْفَسَادِ يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهِ . لِأَنَّ الرِّقَّ أَفَادَهَا الْأَمَانُ مِنْ الْقَتْلِ فَلَا تُجْبَرُ كَالْمُسْتَأْمَنَةِ , قَالُوا: وَلَيْسَ كَالْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَا يَعْظُمُ الْأَمْرُ فِيهِ . ج - لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ الذَّكَرَ الْبَالِغَ امْرَأَةً لَا يَرْضَاهَا حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً , فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ صَغِيرًا جَازَ , وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَقَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَمَالِكٌ: لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبَرَ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ . وَلَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ طَاعَةُ سَيِّدِهِ لَوْ كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الرَّقِيقِ فَسْخُ زَوَاجِهِ الصَّحِيحِ , سَوَاءٌ تَمَّ بِإِذْنِهِ أَوْ إذْنِ مَالِكٍ سَابِقٍ , فَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُزَوَّجَةً , فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَجْبُرَهَا عَلَى طَلَبِ الطَّلَاقِ , وَكَذَا لَيْسَ لَهُ الْحَقُّ فِي مَنْعِهَا مِنْ الْكَوْنِ مَعَ زَوْجِهَا لَيْلًا . وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ فِي مُرَاعَاةِ الْحَقَّيْنِ , حَقِّ الزَّوْجِ وَحَقِّ السَّيِّدِ , يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ . د - إنْ كَانَ الْعَبْدُ ذِمِّيًّا فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إتْيَانِ الْكَنِيسَةِ , أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ , أَوْ أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ دِينُهُ , نَقَلَهُ الْبُنَانِيُّ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ