فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 1037

وقال المالكيّة - في المشهور عندهم -: المكره على الوطء يحد ، وعليه فإذا أكرهت امرأة رجلًا على الزّنا بها فلا صداق لها ، وإن أكرهه غيرها غرّم لها الصّداق ورجع به على مكرهه .

ووجوب مهر المثل بالزّنا هو مقتضى مذهب الصّاحبين القائل بعدم وجوب الحدّ على المكره بالزّنا إذ لا يخلو الوطء بغير ملك اليمين عن مهر أو حد .

ويقول أبو حنيفة وزفر: أنّ من أكره على الزّنا بامرأة بما يخاف التّلف فزنى فعليه الحد ، وبناءً على هذا القول لا يتصوّر وجوب المهر أصلًا .

أقسام الموقوف :

14 -قسّم الحنفيّة التّصرف الموقوف إلى: موقوف قابل للصّحّة , وموقوف فاسد . والموقوف القابل للصّحّة: هو ما كان صحيحًا في أصل وصفه ويفيد الملك على سبيل التّوقف ولا يفيد تمامه لتعلق حقّ الغير , ويتناول كلّ تصرف في حقّ الغير بغير إذن منه تمليكًا كان التّصرف كبيع الفضوليّ والصّبيّ والعبد المحجورين , أم إسقاطًا كالطّلاق والإعتاق .

والتّمليك يشمل الحقيقيّ كالبيع ونحوه ممّا ينقل الملك , والحكمي كالتّزويج , وهذا من قسم الصّحيح .

والفاسد الموقوف ما كان مشروعًا في أصله لا في وصفه , كبيع المكره وسائر التّصرفات الفاسدة .

وهذا النّوع يسمونه: موقوفًا فاسدًا فلا يثبت به الملك إلّا بالقبض عند جمهور فقهاء الحنفيّة فإذا باع مكرهًا وسلّم مكرهًا ثبت فيه الملك عند أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمّد بن الحسن .

وقال زفر: لا يثبت الملك بالتّسليم مكرهًا لأنّه موقوف على الإجازة فلا يفيد الملك قبلها , وقال الأئمّة الثّلاثة - أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد - إنّ ركن البيع صدر من أهله مضافًا إلى محلّه , والفساد لفقد شرطه وهو الرّضا , فصار كسائر الشّروط الفاسدة فيثبت الملك بالقبض , حتّى لو قبضه وأعتق أو تصرّف به أيّ تصرف - لا يمكن نقضه - جاز , ويلزمه القيمة كسائر البياعات الفاسدة .

وبإجازة المالك يرتفع المفسد وهو الإكراه وعدم الرّضا فيجوز إلّا أنّه لا ينقطع حق استرداد البائع بالإكراه وإن تداولته الأيدي ولم يرض البائع بذلك .

وعند المالكيّة إذا تصرّف إنسان في ملك غيره بغير إذنه فإنّه يتوقّف نفاذ هذا التّصرف على إجازة من له حق الإجازة وذلك كبيع الفضوليّ ملك غيره فإنّ نفاذه يتوقّف على إجازة مالكه.

وكبيع الغاصب الشّيء المغصوب لغير المغصوب منه .

وكطلاق الفضوليّ , فإنّه صحيح متوقّف على إجازة الزّوج .

15 -والوقف يطلقه فقهاء الشّافعيّة لبيان ما يحدث في العبادات وفي العقود , فمن الأوّل حج الصّبيّ , فإن دام صبيًّا إلى آخر أعمال الحجّ كان نفلًا , وإن بلغ قبل الوقوف بعرفة انقلب فرضًا .

ومنها: إذا كان عليه سجود السّهو فسلّم ساهيًا قبل الإتيان بسجود السّهو فتذكّر قريبًا ففي صحّة سلامه وجهان: فإن صحّحناه فقد فات محل السجود , وإن أبطلناه فإن سجد فهو باق في الصّلاة ولو أحدث لبطلت صلاته , وإن ترك السجود فقال الإمام: الظّاهر إنّه في الصّلاة ولا بدّ من السّلام .

ويحتمل أن يقال: السّلام موقوف فإن سجد تبيّن أنّه في الصّلاة وإن ترك تبيّن أنّه قد تحلّل. أمّا في العقود فالوقف فيها يعبّر به عن ثلاث مسائل:

الأولى: بيع الفضوليّ في القول القديم للشّافعيّ: وهو وقف صحّة بمعنى أنّ الصّحّة موقوفة على الإجازة فلا تحصل إلّا بعدها , هذا ما نقله النّووي عن الأكثرين , ونقل الرّافعي عن الإمام: أنّ الصّحّة ناجزة والمتوقّف على الإجازة هو الملك .

الثّانية: بيع مال مورّثه ظانًا حياته , وهو وقف تبين بمعنى أنّ العقد فيه صحيح ونحن لا نعلمه ثمّ تبيّن في ثاني الحال فهو وقف على ظهور أمر كان عند العقد , والملك فيه من حين العقد ولا خيار فيه .

الثّالثة: تصرفات الغاصب وهي ما إذا غصب أموالًا وباعها وتصرّف في أثمانها بحيث يعسر أو يتعذّر تتبعها بالنّقض ففي قول عندهم: للمالك أن يجيز ويأخذ الحاصل من أثمانها .

حرمة أكل الميتة:

10 -أجمع الفقهاء على حرمة أكل الميتة في حالة السّعة والاختيار لقوله تعالى: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .

وقد عبّر الإمام الرّازيّ عن حكمة تحريم أكل الميتة الّتي نفقت حتف أنفها بقوله: واعلم أنّ تحريم الميتة موافق لما في العقول , لأنّ الدّم جوهر لطيف جدًا , فإذا مات الحيوان حتف أنفه احتبس الدّم في عروقه وتعفَّن وفسد , وحصل من أكله مضار عظيمة .

وأمّا حكمة تحريم أكل الميتة الّتي قتلت على هيئة غير مشروعة"أي بدون تذكية"فقد أوضحها الإمام ابن القيّم بقوله: فلأنّ اللّه سبحانه حرَّم علينا الخبائث , والخبثُ الموجب للتّحريم قد يظهر لنا وقد يخفى , فما كان ظاهرًا لم ينصب عليه الشّارع علامةً غير وصفه , وما كان خفيًّا نصب عليه علامةً تدلُّ على خبثه .

فاحتقان الدّم في الميتة سبب ظاهر , وأمّا ذبيحة المجوسيّ والمرتدّ وتارك التّسمية ومن أهلّ بذبيحته لغير اللّه , فنفس ذبيحة هؤلاء أكسبت المذبوح خبثًا أوجب تحريمه , ولا ينكر أن يكون ذكر اسم الأوثان والكواكب والجنّ على الذّبيحة يُكسبها خبثًا , وذِكْرُ اسم اللّه وحده يُكسبها طيبًا إلّا من قلّ نصيبه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشّريعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت