فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 1037

19 -الْإِكْرَاهُ هُوَ: حَمْلُ الْمُكْرَهِ عَلَى أَمْرٍ يَكْرَهُهُ . وَهُوَ نَوْعَانِ: مُلْجِئٌ وَغَيْرُ مُلْجِئٍ . فَالْمُلْجِئُ: هُوَ الْإِكْرَاهُ الْكَامِلُ , وَهُوَ أَنْ يُكْرَهَ بِمَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى تَلَفِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ . وَهَذَا النَّوْعُ يُعْدِمُ الرِّضَى , وَيُوجِبُ الْإِلْجَاءَ , وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ . وَغَيْرُ الْمُلْجِئِ: هُوَ أَنْ يُكْرِهَهُ بِمَا لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ , وَلَا يُوجِبُ الْإِلْجَاءَ وَلَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ . وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ الَّذِي يُعْدِمُ الرِّضَى وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ . 20 - إذَا أَكْرَهَ إنْسَانٌ غَيْرَهُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا لِيَقْتُلَ الْمُكْرَهَ , بِأَنْ قَالَ لَهُ: اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك , فَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الِانْتِحَارِ , حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ وَلَا الدِّيَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ( الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ) لِأَنَّ الْمُكْرَهَ ( بِفَتْحِ الرَّاءِ ) كَالْآلَةِ بِيَدِ الْمُكْرِهِ فِي الْإِكْرَاهِ التَّامِّ ( الْمُلْجِئِ ) فَيُنْسَبُ الْفِعْلُ إلَى الْمُكْرِهِ وَهُوَ الْمَقْتُولُ , فَصَارَ كَأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسَهُ , كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ , وَلِأَنَّ إذْنَ الْمُكَلَّفِ يُسْقِطُ الدِّيَةَ وَالْقِصَاصَ مَعًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ , فَكَيْفَ إذَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ إلَى دَرَجَةِ الْإِكْرَاهِ الْمُلْجِئِ ؟ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُكْرَهِ , لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُبَاحُ بِالْإِذْنِ , إلَّا أَنَّهُ شُبْهَةٌ تُسْقِطُ الْقِصَاصَ . وَلَمْ نَعْثُرْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى نَصٍّ فِي الْمَوْضُوعِ , وَقَدْ سَبَقَ رَأْيُهُمْ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ إذَا أَمَرَهُ الْمَقْتُولُ بِالْقَتْلِ . 21 - إذَا أَكْرَهَ شَخْصٌ غَيْرَهُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا لِيَقْتُلَ الْغَيْرُ نَفْسَهُ , بِأَنْ قَالَ لَهُ: اُقْتُلْ نَفْسَك وَإِلَّا قَتَلْتُك , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ , وَإِلَّا يُعَدُّ مُنْتَحِرًا وَآثِمًا , لِأَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ لَا يَخْتَلِفُ عَنْ الْمُكْرَهِ بِهِ , فَكِلَاهُمَا قَتْلٌ , فَلَأَنْ يَقْتُلَهُ الْمُكْرَهُ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَقْتُلَ هُوَ نَفْسَهُ . وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ الْقَتْلِ بِتَرَاجُعِ الْمُكْرَهِ , أَوْ بِتَغَيُّرِ الْحَالَةِ بِأَسْبَابٍ أُخْرَى , فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَحِرَ وَيَقْتُلَ نَفْسَهُ . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , لِانْتِفَاءِ كَوْنِهِ إكْرَاهًا حَقِيقَةً , لِاتِّحَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمُخَوَّفِ بِهِ , فَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الْقَتْلَ كَمَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيَّةُ , لَكِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْآمِرِ نِصْفُ الدِّيَةِ , بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ شَرِيكٌ , وَسَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الْمُكْرَهِ قَتْلَ نَفْسِهِ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ , وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرَهِ , إذَا قَتَلَ الْمُكْرِهُ نَفْسَهُ , كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ . وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ بِمَا يَتَضَمَّنُ تَعْذِيبًا شَدِيدًا كَإِحْرَاقٍ أَوْ تَمْثِيلٍ إنْ لَمْ يَقْتُلْ نَفْسَهُ , كَانَ إكْرَاهًا كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْبَزَّارُ , وَمَالَ إلَيْهِ الرَّافِعِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ , وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ . وَفَصَّلَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمَوْضُوعِ فَقَالُوا: لَوْ قَالَ لَتُلْقِيَن نَفْسَك فِي النَّارِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ بِالسَّيْفِ , فَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ الْجَبَلِ , فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُكْرِهِ , لِأَنَّهُ لَوْ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ عِنْدَهُ , لِأَنَّهُ قَتَلَ بِالْمُثْقَلِ , فَكَذَا إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ . وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُكْرِهِ فِي مَالِهِ , وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ الْقِصَاصُ , لِأَنَّهُ كَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ عِنْدَهُ . أَمَّا إذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ , فَيَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا . هَذَا , وَلَمْ نَجِدْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصًّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَانْظُرْ ( إكْرَاهٌ ) .

الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ : يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ لَفْظَ الِانْتِشَارِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت