فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 1037

3 -اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ , فَبَعْضُهُمْ يَرَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يُطْلَقُ عَلَى الْمِلَلِ السَّابِقَةِ . وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } الْآيَةَ , وَآيَاتٍ أُخْرَى . وَيَرَى آخَرُونَ: أَنَّهُ لَمْ تُوصَفْ بِهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ , وَإِنَّمَا وُصِفَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ فَقَطْ , وَشُرِّفَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِأَنْ وُصِفَتْ بِمَا وُصِفَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ , تَشْرِيفًا لَهَا وَتَكْرِيمًا . وَوَجْهُ اخْتِصَاصِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِهَذَا الِاسْمِ"الْإِسْلَامِ"هُوَ: أَنَّ الْإِسْلَامَ اسْمٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ , مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ , وَصَوْمِ رَمَضَانَ , وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ , وَالْجِهَادِ , وَنَحْوِهَا . وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعَ كَثِيرٍ غَيْرِهِ خَاصٍّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ , وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأُمَمِ , وَإِنَّمَا كُتِبَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فَقَطْ . وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى - وَهُوَ اخْتِصَاصُ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ - قوله تعالى: { مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ } . فَالضَّمِيرُ ( هُوَ ) يَرْجِعُ لِإِبْرَاهِيمَ عليه السلام , كَمَا يَرَاهُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ لِسَابِقِيَّةِ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك , وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك } . فَدَعَا بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلِوَلَدِهِ , ثُمَّ دَعَا لِأُمَّةٍ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ , وَهِيَ هَذِهِ الْأُمَّةُ فَقَالَ: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ } الْآيَةَ , وَهُوَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ , فَبَعَثَ مُحَمَّدًا إلَيْهِمْ , وَسَمَّاهُمْ مُسْلِمِينَ . فَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ أُمَّةً بِالْإِسْلَامِ غَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ , وَلَمْ يُسْمَعْ بِأُمَّةٍ ذُكِرَتْ بِهِ غَيْرُهَا . 4 - وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَقَدْ تَنَازَعَ النَّاسُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى وَعِيسَى هَلْ هُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ لَا ؟ فَالْإِسْلَامُ الْحَاضِرُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم الْمُتَضَمِّنُ لِشَرِيعَةِ الْقُرْآنِ , لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالْإِسْلَامُ الْيَوْمَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَنَاوَلُ هَذَا . وَأَمَّا الْإِسْلَامُ الْعَامُّ الْمُتَنَاوِلُ لِكُلِّ شَرِيعَةٍ بَعَثَ اللَّهُ بِهَا نَبِيًّا , فَإِنَّهُ إسْلَامُ كُلِّ أُمَّةٍ مُتَّبِعَةٍ لِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ . وَعَلَى هَذَا الْأَسَاسِ يُمْكِنُ أَنْ تَفْهَمَ كُلَّ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ الَّتِي تَعَرَّضَ فِيهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مُسْتَعْمَلَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَمِ الْأُخْرَى , إمَّا عَلَى أَنَّهَا تُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِمَادَّةِ أَسْلَمَ , أَوْ أَنَّهَا تُشِيرُ إلَى الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ كُلِّهَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ جَمِيعَ الرُّسُلِ , وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْآيَاتِ , وَمِنْهَا قوله تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } .

فَضْلُ الدَّعْوَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت