18 -هَذَا الْأَثَرُ مَوْضِعُ خِلَافٍ , بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ , عَلَى النَّحْوِ الْآتِي:
19 -يَخْتَلِفُ أَثَرُ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِاخْتِلَافِ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ الَّذِي يَقَعُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ , فَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِقْرَارَاتِ , كَانَ أَثَرُ الْإِكْرَاهِ إبْطَالَ الْإِقْرَارِ وَإِلْغَاءَهُ , سَوَاءٌ كَانَ الْإِكْرَاهُ مُلْجِئًا أَمْ غَيْرَ مُلْجِئٍ . فَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِمَالٍ أَوْ زَوَاجٍ أَوْ طَلَاقٍ كَانَ اعْتِرَافُهُ بَاطِلًا , وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا , لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إنَّمَا جُعِلَ حُجَّةً فِي حَقِّ الْمُقِرِّ بِاعْتِبَارِ تَرَجُّحِ جَانِبِ الصِّدْقِ فِيهِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ , وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا التَّرْجِيحُ مَعَ الْإِكْرَاهِ , إذْ هُوَ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمُقِرَّ لَا يَقْصِدُ بِإِقْرَارِهِ الصِّدْقَ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ , وَإِنَّمَا يَقْصِدُ دَفْعَ الضَّرَرِ الَّذِي هُدِّدَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ . وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ وَنَحْوِهَا كَانَ أَثَرُ الْإِكْرَاهِ فِيهَا إفْسَادَهَا لَا إبْطَالَهَا , فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ , حَسَبَ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ صَحِيحًا لَازِمًا بِإِجَازَةِ الْمُكْرَهِ , وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ الْمُكْرَهُ الثَّمَنَ , أَوْ سَلَّمَ الْمَبِيعَ طَوْعًا , يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الْبَيْعِ وَلُزُومُهُ . وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عِنْدَهُمْ لَا يُعْدِمُ الِاخْتِيَارَ الَّذِي هُوَ تَرْجِيحُ فِعْلِ الشَّيْءِ عَلَى تَرْكِهِ أَوْ الْعَكْسُ , وَإِنَّمَا يُعْدِمُ الرِّضَى الَّذِي هُوَ الِارْتِيَاحُ إلَى الشَّيْءِ وَالرَّغْبَةُ فِيهِ , وَالرِّضَى لَيْسَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ وَلَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِهَا , وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا , فَإِذَنْ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَى فِقْدَانِهِ فَسَادُ الْعَقْدِ لَا بُطْلَانُهُ . وَلَكِنَّهُمْ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ , فَقَالُوا بِصِحَّتِهِمَا مَعَ الْإِكْرَاهِ , وَلَوْ كَانَ مُلْجِئًا , وَمِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ: الزَّوَاجُ وَالطَّلَاقُ وَمُرَاجَعَةُ الزَّوْجَةِ وَالنَّذْرُ وَالْيَمِينُ . وَعَلَّلُوا هَذَا بِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ اللَّفْظَ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ - عِنْدَ الْقَصْدِ إلَيْهِ - قَائِمًا مُقَامَ إرَادَةِ مَعْنَاهُ , فَإِذَا وُجِدَ اللَّفْظُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ الشَّرْعِيُّ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِقَائِلِهِ قَصْدٌ إلَى مَعْنَاهُ , كَمَا فِي الْهَازِلِ , فَإِنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ صَحِيحَةً إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ , مَعَ انْعِدَامِ قَصْدِهِ إلَيْهَا , وَعَدَمُ رِضَاهُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْآثَارِ . وَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَفْعَالِ , كَالْإِكْرَاهِ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ , أَوْ إتْلَافِ مَالٍ لِغَيْرِهِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَالْحُكْمُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نَوْعِ الْإِكْرَاهِ وَالْفِعْلِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ . 20 - فَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ غَيْرَ مُلْجِئٍ - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِمَا لَا يُفَوِّتُ النَّفْسَ , أَوْ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ كَالْحَبْسِ لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ , أَوْ أَخْذُ الْمَالِ الْيَسِيرِ , وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَلَا يَحِلُّ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ . وَإِذَا أَقْدَمَ الْمُكْرَهُ ( بِالْفَتْحِ ) عَلَى الْفِعْلِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْإِكْرَاهِ كَانَتْ الْمَسْئُولِيَّةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ , لَا عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ 21 - وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ مُلْجِئًا - وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بِالْقَتْلِ أَوْ تَفْوِيتِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ أَوْ الْعَمَلِ الْمُهِينِ لِذِي الْجَاهِ - فَالْأَفْعَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: أ - أَفْعَالٌ أَبَاحَهَا الشَّارِعُ أَصَالَةً دُونَ إكْرَاهٍ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ , فَإِنَّهُ إذَا أُكْرِهَ عَلَى ارْتِكَابِهَا وَجَبَ عَلَى الْمُكْرَهِ ( بِالْفَتْحِ ) أَنْ يُرْتَكَبَ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ . ب - أَفْعَالٌ أَبَاحَ الشَّارِعُ إتْيَانَهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ , كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ أَوْ الْخِنْزِيرِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا حُرِّمَ لِحَقِّ اللَّهِ لَا لِحَقِّ الْآدَمِيِّ , فَالْعَقْلُ - مَعَ الشَّرْعِ - يُوجِبَانِ ارْتِكَابَ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ . فَهَذِهِ يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ فِعْلُهَا , بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ . بِهَا , إذَا تَرَتَّبَ عَلَى امْتِنَاعِهِ قَتْلُ نَفْسِهِ أَوْ تَلَفُ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ , فَمِنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } . وَلَا شَكَّ أَنَّ