تفسير البحر المحيط - (ج 3 / ص 14)
{ لا إكراه في الدين } ذكر في سبب نزولها أقوال مضمون أكثرها: أن بعض أولاد الأنصار تنصر ، وبعضهم تهوّد ، فأراد آباؤهم أن يكرهوهم على الإسلام ، فنزلت . وقال أنس: نزلت فيمن قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أسلم» . فقال: أجدني كارهًا .
واختلف أهل العلم في هذه الآية: أهي منسوخة؟ أم ليست بمنسوخة؟ فقيل: هي منسوخة ، وهي من آيات الموادعة التي نسختها آية السيف ، وقال قتادة ، والضحاك: هي محكمة خاصة في أهل الكتاب الذين يبذلون الجزية ، قالا: أمر بقتال أهل الأوثان لا يقبل منهم إلاَّ الإسلام أو السيف ، ثم أمر فيمن سواهم أن يقبل الجزية . ومذهب مالك: أن الجزية تقبل من كل كافر سوى قريش ، فتكون الآية خاصة فيمن أعطى الجزية من الناس كلهم لا يقف ذلك على أهل الكتاب . وقال الكلبي: لا إكراه بعد إسلام العرب ، ويقبل الجزية . وقال الزجاج: لا تنسبوا إلى الكراهة من أسلم مكرهًا ، يقال: أكفره نسبه إلى الكفر . قال الشاعر:
وطائفة قد أكفروني بحبهم ... وطائفة قالوا: مسيء ومذنب
وقيل: لا يكره على الإسلام من خرج إلى غيره . وقال أبو مسلم ، والقفال: معناه أنه ما بنى تعالى أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، وإنما بناه على التمكن والاختيار ، ويدل على هذا المعنى أنه لما بيّن دلائل التوحيد بيانًا شافيًا ، قال بعد ذلك: لم يبق عذر في الكفر إلاَّ أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه ، وهذا ما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الإبتلاء ، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الإبتلاء .
ويؤكد هذا قوله بعد: { قَد تبين الرشد من الغي } يعني: ظهرت الدلائل ووضحت البينات ، ولم يبق بعدها إلاَّ طريق القسر والإلجاء وليس بجائز لأنه ينافي التكليف ، وهذا الذي قاله أبو مسلم والقفال لائق بأصول المعتزلة ، ولذلك قال الزمخشري: لم يجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر ، ولكن على التمكين والإختيار ، ونحوه قوله: { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } أي: لو شاء لقسرهم على الإيمان ، ولكنه لم يفعل ، وبنى الأمر على الأختيار .
والدين هنا ملة الإسلام واعتقاده ، والألف واللام للعهد ، وقيل: بدل من الإضافة أي: في دين الله .
{ قد تبين الرشد من الغيّ } أي: استبان الإيمان من الكفر ، وهذا يبين أن الدين هو معتقد الإسلام .
وقرأ الجمهور: الرشد ، على وزن القفل ، والحسن: الرشد ، على وزن العنق . وأبو عبد الرحمن: الرشد ، على وزن الجبل ، ورويت هذه أيضًا عن الشعبي ، والحسن ومجاهد . وحكى ابن عطية عن أبي عبد الرحمن: الرشاد ، بالألف .
والجمهور على إدغام دال ، قد ، في: تاء ، تبين . وقرىء شاذًا بالإظهار ، وتبين الرشد ، بنصب الأدلة الواضحة وبعثة الرسول الداعي إلى الإيمان ، وهذه الجملة كأنها كالعلة لانتفاء الإكراه في الدين ، لأن وضوح الرشد واستبانته تحمل على الدخول في الدين طوعًا من غير إكراه ، ولا موضع لها من الإعراب .
{ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } الطاغوت: الشيطان . قاله عمر ، ومجاهد ، والشعبي ، والضحاك ، وقتادة ، والسدّي . أو: الساحر ، قاله ابن سيرين ، وأبو العالية . أو: الكاهن ، قاله جابر ، وابن جبير ، ورفيع ، وابن جريح . أو: ما عبد من دون الله ممن يرضى ذلك: كفرعون ، ونمروذ ، قاله الطبري . أو: الأصنام ، قاله بعضهم .
وينبغي أن تجعل هذه الأقوال كلها تمثيلًا ، لأن الطاغوت محصور في كل واحد منها .
قال ابن عطية وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت . إنتهى .
وناسب ذلك أيضًا اتصاله بلفط الغي ، ولأن الكفر بالطاغوت متقدّم على الإيمان بالله ، لأن الكفر بها هو رفضها ، ورفض عبادتها ، ولم يكتف بالجملة الأولى لأنها لا تستلزم الجملة الثانية ، إذ قد يرفض عبادتها ولا يؤمن بالله ، لكن الإيمان يستلزم الكفر بالطاغوت ، ولكنه نبه بذكر الكفر بالطاغوت على الانسلاخ بالكلية ، مما كان مشتبهًا به ، سابقًا له قبل الإيمان ، لأن في النصية عليه مزيد تأكيد على تركه .
وجواب الشرط: فقد استمسك ، وأبرز في صورة الفعل الماضي المقرون بقد الدالة في الماضي على تحقيقه ، وإن كان مستقبلًا في المعنى لانه جواب الشرط ، إشعارًا بأنه مما وقع استمساكه وثبت وذلك للمبالغة في ترتيب الجزاء على الشرط ، وأنه كائن لا محالة لا يمكن أن يتخلف عنه ، و: بالعروة ، متعلق باستمسك ، جعل ما تمسك به من الإيمان عروة ، وهي في الأجرام موضع الإمساك وشد الأيدي شبه الإيمان بذلك .
قال الزمخشري: وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر ، والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه ، فيحكم اعتقاده والتيقن .
والمشبه بالعروة الإيمان ، قاله: مجاهد . أو: الإسلام قاله السدّي أو: لا إله إلا الله ، قاله ابن عباس ، وابن جبير ، والضحاك ، أو: القرآن ، قاله السدّي أيضًا ، أو: السنة ، أو: التوفيق . أو: العهد الوثيق . أو: السبب الموصل إلى رضا الله وهذه أقوال متقاربه .
{ لا انفصام لها } لا انكسار لها ولا انقطاع ، قال الفراء: الانفصام والانقصام هما لغتان ، وبالفاء أفصح ، وفرق بعضهم بينهما ، فقال: الفصم انكسار بغير بينونة ، والقصم انكسار ببينونة .
وهذه الجملة في موضع نصب على الحال من العروة ، وقيل: من الضمير المستكن في الوثقى ، ويجوز أن يكون خبرًا مستأنفًا من الله عن العروة ، و: لها ، في موضع الخبر ، فتتعلق بمحذوف أي: كائن لها .
{ والله سميع عليم } أتى بهذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله مما ينطق به اللسان ويعتقده الجنان ، فناسب هذا ذكر هذين الوصفين لأن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله ، وقيل: سميع لدعائك يا محمد ، عليم بحرصك واجتهادك