فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 1037

16 -تَقْسِيمُ الْإِكْرَاهِ إلَى مُلْجِئٍ وَغَيْرِ مُلْجِئٍ يَتَفَرَّدُ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ . فَالْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِالتَّهْدِيدِ بِإِتْلَافِ النَّفْسِ أَوْ عُضْوٍ مِنْهَا , أَوْ بِإِتْلَافِ جَمِيعِ الْمَالِ , أَوْ بِقَتْلِ مَنْ يُهِمُّ الْإِنْسَانَ أَمْرُهُ . وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَى وَيُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ وَلَا يُعْدِمُهُ . أَمَّا إعْدَامَهُ لِلرِّضَى , فَلِأَنَّ الرِّضَا هُوَ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ وَالِارْتِيَاحُ إلَيْهِ , وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ أَيِّ إكْرَاهٍ . وَأَمَّا إفْسَادُهُ لِلِاخْتِيَارِ دُونَ إعْدَامِهِ , فَلِأَنَّ الِاخْتِيَارَ هُوَ: الْقَصْدُ إلَى فِعْلِ الشَّيْءِ أَوْ تَرْكِهِ بِتَرْجِيحٍ مِنْ الْفَاعِلِ , وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَزُولُ بِالْإِكْرَاهِ , فَالْمُكْرَهُ يُوقِعُ الْفِعْلَ بِقَصْدِهِ إلَيْهِ , إلَّا أَنَّ هَذَا الْقَصْدَ تَارَةً يَكُونُ صَحِيحًا سَلِيمًا , إذَا كَانَ مُنْبَعِثًا عَنْ رَغْبَةٍ فِي الْعَمَلِ , وَتَارَةً يَكُونُ فَاسِدًا , إذَا كَانَ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ , وَذَلِكَ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ كِلَاهُمَا شَرٌّ , فَفَعَلَ أَقَلَّهُمَا ضَرَرًا بِهِ , فَإِنَّ اخْتِيَارَهُ لِمَا فَعَلَهُ لَا يَكُونُ اخْتِيَارًا صَحِيحًا , بَلْ اخْتِيَارًا فَاسِدًا . وَالْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ هُوَ: الَّذِي يَكُونُ بِمَا لَا يُفَوِّتُ النَّفْسَ أَوْ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ , كَالْحَبْسِ لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ , وَالضَّرْبِ الَّذِي لَا يُخْشَى مِنْهُ الْقَتْلُ أَوْ تَلَفِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ . وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ أَنَّهُ يُعْدِمُ الرِّضَا وَلَكِنْ لَا يُفْسِدُ الِاخْتِيَارَ , وَذَلِكَ لِعَدَمِ اضْطِرَارِ الْمُكْرَهِ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ , لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى تَحَمُّلِ مَا هُدِّدَ بِهِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ . 17 - أَمَّا غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ فَلَمْ يُقَسِّمُوا الْإِكْرَاهَ إلَى مُلْجِئٍ وَغَيْرِ مُلْجِئٍ كَمَا فَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ , وَلَكِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَمَّا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْإِكْرَاهُ وَمَا لَا يَتَحَقَّقُ , وَمِمَّا قَرَّرُوهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ يُؤْخَذُ أَنَّهُمْ جَمِيعًا يَقُولُونَ بِمَا سَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ إكْرَاهًا مُلْجِئًا , أَمَّا مَا يُسَمَّى بِالْإِكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ فَإِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ , فَعَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا , وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا . أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إكْرَاهًا بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ , وَيُعْتَبَرُ إكْرَاهًا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَعْضِ الْآخَرِ , فَمِنْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ الَّذِي لَا يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ إكْرَاهًا فِيهِ: الْكُفْرُ بِالْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ , وَالْمَعْصِيَةُ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ , كَالْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ , وَالزِّنَى بِامْرَأَةٍ مُكْرَهَةٍ أَوْ لَهَا زَوْجٌ , وَسَبِّ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ أَوْ صَحَابِيٍّ , أَوْ قَذْفٍ لِمُسْلِمٍ . وَمِنْ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ الَّذِي يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ إكْرَاهًا فِيهِ: شُرْبُ الْخَمْرِ , وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ , وَالطَّلَاقُ وَالْأَيْمَانُ وَالْبَيْعُ وَسَائِرُ الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَالْآثَارِ .

أَثَرُ الْإِكْرَاهِ :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت