4-إن من أهم لوازم هذه المرحلة العمل على إدراج أبجديات الفقه الطبي في مقررات الدراسة النظامية في كليات الطب، ولا بد أن يسبق ذلك بحملة توعية منهجية تستثير همم المسؤولين والمتعلمين تجاه ذلك، وأول ما يمكن النفاذ من خلاله إلى كليات الطب مادة آداب الطب وأخلاقياته التي لا يخلو منهج كلية منه ولكنه لا يرقى اليوم مع الأسف إلى المستوى المنشود في معظم كلياتنا.
5-إن من واجب الطبيب المسلم اليوم العمل على تأصيل مسائل أخلاقيات المهنة في مجال الممارسة سواء أكان في المشفى أم العيادة أم غيره، بحيث تكون الضوابط العامة لما يتعلق بممارسة المهنة من أخلاق وضوابط نابعةً من شمولية المنهج الإسلامي ومراعيةً لحاجات المريض ومصالحه الدينية والدنيوية معًا.
6-إن الطبيب المسلم مستأمن حين يُطلب منه عرض أو تصوير مسألة طبية بغرض الاستفتاء، وليعلم أن دقة وشمولية التصوير أمرٌ مهم جدًا لسلامة الفتيا، ولا يجوز للطبيب أبدًا أن يصور المسألة المدروسة تصويرًا منحازًا بأي شكل من الأشكال بل يعرض المسألة كما هي بدقة وتجرد تام ويدع الاجتهاد الشرعي لأهله إن لم يكن من أهله.
7-إن من واجب الطبيب المسلم اليوم أن يعنى ولو في مرحلة لاحقة بعرض هذا التصور الإسلامي الشامل الموازن بين حاجات البدن والروح إلى العالم بأسره لأن هذا جزء من مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه العالم كمسلمين وكأطباء أخذنا على عاتقنا مهمة تخفيف المعاناة عن جنس الإنسان.
8-إن على الطبيب المسلم اليوم أن يستشعر عظيم فضل الله تعالى عليه بنعمة الدين، وأن يستشعر العزة الإيمانية التي توَّجه الله تعالى بها، فلا يخجل من عرض بضاعته ولا يستعلي على الناس بغير حق، ولكن يتوسط بين ذلك كله ليُشعر الناس أنه صاحب رسالة لا تتوقف عند حدود الطب ولا تشتغل بعافية الأبدان فحسب، بل هي رسالة أسمى ومهمة أعظم مضمونها:"وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين" [764]
وختامًا أسال الله تعالى القبول لهذا العمل، وأسأله سبحانه العفو عما فيه من الزلل، وجزى الله خيرًا من وقف على حقٍ مما ذكرت فدعا لي به أو وقف على زلةٍ فنبهني إليها مشكورًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه سلم.
وكتب الفقير إلى رحمة ربه
الطبيب المسلم وسيم فتح الله
24 جمادى الأولى 1425 هجرية
الموافق 11 تموز 2004 ميلادية
الفهرس
الموضوع الصفحة
مقدمة 2
الفصل الأول: حلية العبودية 4
الفصل الثاني: حلية العلم 9
فصل: المنهج العلمي للطبيب المسلم 13
فصل:أنواع الأدلة العلمية الطبية 15
النوع الأول: دليل النقل 17
النوع الثاني: دليل العقل 19
فصل: العلاقة بين دليل النقل والعقل في علوم الطب 20
فصل: تحرير القول في التوثق من أخبار علوم الطب التجريبية 23
فصل: مرابطة الطبيب المسلم على ثغره 26
الفصل الثالث: حلية الأخلاق والمعاملات 28
أولًا: أخلاق الطبيب المسلم مع زملائه 28
ثانيًا: أخلاق الطبيب المسلم مع مريضه 33
الفصل الرابع: حلية الدعوة 52
أولًا: أسلمة العلوم الطبية 53
ثانيًا: تعهد الجانب الروحي للمريض 57
ثالثًا: الاعتدال والتوسط في مسائل الإعجاز العلمي 60
رابعًا: العمل الطبي الخيري والإغاثي 62
الفصل الخامس: حلية الجهاد 66
أولًا: جهاد القلم والبيان 67
أولًا: المرابطة على ثغر الدين 69
ثانيًا: المرابطة على ثغر النفس 70
ثالثًا: المرابطة على ثغر العقل 74
رابعًا: المرابطة على ثغر العرض والنسل 75
خامسًا: المرابطة على ثغر المال 78
ثانيًا: جهاد الرمح والسنان 80
أولًا: الجهاد المالي 81
ثانيًا: الجهاد بالنفس 84
الخاتمة 86
حراسة النفس
يحيى بن موسى الزهراني
إمام الجامع الكبير بتبوك
المقدمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبذكره تنكشف الآهات والكربات ، وأشهد أن لا إله إلا الله عالم الخفيات ، ومزيل الهموم والأسقام والعاهات ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله الذي دل أمته على علاج الآلام والمشكلات والمعضلات ، صلى الله عليه وسلمًا تسليمًا كثيرًا مديدًا ما أنارت الشمس وأضاءت ، وتلألأت النجوم وتلاحمت ، وعلى آله وأصحابه أهل الخير والكرامات ، وعنا معهم برحمتك ومنك وكرمك ياصاحب الجود والخيرات ، ويافاطر الأرض والسموات . . أما بعد:
فإن نعم الله جل وعلا على عباده لا تعد ولا تحصى ، قال تعالى: [ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ] ( إبراهيم 34) ، ومع إغداق الله هذه النعم على العباد ليل نهار ، فمنهم من يستعين بها على معصية الله تعالى ، فخير الله إليهم نازل وشرهم إليه صاعد ، ثم لا تجد أكثرهم شاكرين بل قليل منهم الشكور ، قال تعالى: [ وقليل من عبادي الشكور ] ( سبأ 13) ، وشاء الله أن يبتلي الكثير من عباده ويختبرهم ويمتحنهم ومن هذه الابتلاءات ما قدره الله على خلقه من أمراض وأسقام وأدواء .
فليس ذلك تعذيبًا من الله للعباد وإنما هي رحمة منه سبحانه ، ليجزل لهم المثوبة والأجر ، ويمحو عنهم الزلل والوزر حتى يلقى المؤمن ربه وقد كفر الله عنه من سيئاته ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة ، في جسده وأهله وماله ، حتى يلقى الله عزوجل وما عليه خطيئة ] ، وقال عليه الصلاة والسلام: [ ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه ] ( رواهما البخاري في الأدب المفرد وصححهما الألباني) .