فهرس الكتاب

الصفحة 630 من 1037

هذا ما تيسر لي خطه من معالم هذه الحلية المباركة إن شاء الله، ولعمري إن الحاجة اليوم شديدة إلى العودة إلى معين القرآن والسنة ليستلهم كل صاحب فن وكل ذي علم أصول فنه وعلمه منهما، إذ أن هذا هو الطريق لتحقيق العبودية الشاملة في كل مسارات حياتنا، كما أنه هو الطريق إلى التمايز إلى حزب الله وحزب الشيطان، إلى فريق الحق وفريق الباطل، إلى فريق الجنة وفريق السعير، ولئن كانت مفرزات العلمانية الوافدة قد أحدثت شرخًا بين العلوم التجريبية وبين أصول الشريعة الإسلامية، فلقد آن الأوان لإعادة الأمور إلى نصابها لتعود الانطلاقة العلمية في مجال الطب - وغيره من العلوم - إلى الصدور عن أصول وقواعد الشريعة الكلية، حتى تنقاد مجالات الحياة كلها للشريعة الخاتمة الكاملة مصداقًا لقوله تعالى:"وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مُبدِّل لكلماته وهو السميع العليم" [761] ، ولقد بينا أن هذا الصدور عن أصول وقواعد الشريعة لا يراد منه الحجر على العقل الإنساني فيما هو أهلٌ للخوض والبحث والتجربة والكشف فيه، وإنما هو تأصيلٌ وتأطيرٌ لمنهجٍ شموليٍ يحث العبد على كشف الكون المسخَر له في نفس الوقت الذي يقي العبد من شطحات العقل غير المنضبط، وإن هذه العودة منوطة اليوم بجهود أفراد ومجموعات من الغيورين المخلصين المستعدين لتقديم التضحيات ومكابدة المشاق في سبيل إبراز هذه الصورة المتناسقة المتكاملة بين الوحي والعقل إلى أن يأذن الله تعالى بإبرام أمر رشدٍ لهذه الأمة تعاد فيه الأمور إلى نصابها فيحق الحق ويبطل الباطل ويعود بالإنسانية إلى جادة الاستقامة.

إننا نعيش اليوم صراعًا وجوديًا حقيقيًا يرمي إلى اجتثاث شأفة الإسلام لا مجرد السيطرة على أهله ودياره وموارده، ولئن كان إرهاب البطش العسكري لصعاليك الكفر أكثر ما يشد أبناء الإسلام اليوم ويرهبهم، فإن حقيقة المعركة أعمق من ذلك بكثير وأشد خطرًا من ذلك بكثير، لأنها اليوم معركةٌ عقديةٌ فكريةٌ اجتماعيةٌ ثقافية تتسلل من كل باب شهوة وشبهة، وتتواطأ مع كل ضعيف نفس ومنافق، لتفت المرة تلو الأخرى في عضد هذه الأمة، نعم إن الدين محفوظ ولكننا حَمَلَةَ الدين لسنا محفوظين، بل نحن في خطرِ وعيد الله تعالى بالاستبدال كما قال تعالى:"إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضروه شيئًا والله على كل شيء قدير" [762] ، وقال تعالى:"وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" [763] ، فلا بديل إذًا عن الاستجابة لأمر الله عز وجل إن نحن أردنا الأمن من هذا الوعيد، والمهمة اليوم منوطةٌ بكل منا كلٌ بحسبه وكلٌ بحسب طاقته، الطبيب في المشفى والمهندس في المصنع والمعلم في المدرسة والإمام في المسجد والأم في البيت والجندي في الميدان ، لا غنى - بعد الله تعالى - عن هؤلاء لاستكمال منظومة الأسباب التي أمرنا الله تعالى باستفراغ الوسع في تحصيلها، وإن ما أشرت إليه في هذه الحلية الموجزة ليس إلا مقدمةً موجزة لأهم مسائل الطبيب المسلم الكلية، وإلا فإن الجزئيات تحتاج مؤلفات مستقلة لتتبعها ومعاصرة جديد النوازل فيها نسأل الله تعالى أن يوفقنا لذلك أو لشيء منه.

ولئن كان الحد المقصود من كتابة هذه الحلية الوقوف على معالمها العامة فإنه لا حرج في التنبيه في هذا الموضع على أهم المسائل العملية التي ينبغي للطبيب المسلم أن ينشغل بها اليوم من ساعته، فأسأله تعالى أن أوفق إلى عرضها فيما يلي:

1-إن واجب كل طبيب مسلم اليوم أن يتوقف قليلًا ليراجع رصيده من العلوم الشرعية اللازمة له بحسب اختصاصه وطبيعة ممارسته، ولا يعني ذلك هجر الطب والتفرغ لدراسة علوم الشريعة كلا، وإنما يعني التواصل مع المرجعيات الشرعية المعتبرة المأمونة على دين الله عز وجل لاستلهام التوجيه والترشيد، ولا يقدح في هذا ضرورة أن يتسلح الطبيب بحدٍ أدنى من النصوص الشرعية والمعارف الشرعية، ولا أقل من أن يطلع الطبيب المسلم على المبادئ القرآنية المتعلقة بحفظ الأنفس والإطلاع على الأحاديث النبوية في المرضى والطب كالتي في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنن وشروحها، وأسأل الله أن يوفقني أو غيري إلى جمع متن مختصر فيما لا يسع الطبيب جهله من نصوص الوحيين.

2-إن واجب الطبيب المسلم اليوم أن يكون مطلعًا على كل ما يستجد من فتاوى الفقهاء المعاصرين والمجامع الفقهية المعاصرة تجاه ما يستجد من نوازل فقهية طبية، حتى لا يتوهم عجز الشريعة عن مجاراة التطور العلمي من جهة، وحتى يكون أهلًا لتطبيقها في مجال ممارسته من جهة أخرى، مع مراعاة أن الاجتهادات المتفاوتة في المسألة الواحدة لا تُشكل البتة، فالمسألة لا تخرج عن حالٍ من اثنين فإما أن تتبنى الدولة المسلمة اجتهادًا فقهيًا معينًا فيصبح ملزمًا للجميع ويحمل ولي الأمر تبعته، وإما أن لا يكون فيتبع الطبيب اجتهاد من يثق في دينه وأمانته مقلدًا إن لم يكن من أهل الاجتهاد أو بالدليل إن كان له حظٌ من النظر في ذلك.

3-إن واجب الطبيب المسلم اليوم أن يعمل على التواصل مع زملائه الأطباء في سبيل التعاون على تحقيق ما تقدم، ولا يقتصر تواصله مع الآخرين على الأطباء بل يوسع ذلك ليشمل أهل العلم الشرعي وأهل الخبرة في رسم السياسات الصحية الاجتماعية ومنابر التوعية الاجتماعية العامة للوصول إلى شرائح المجتمع المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت