يَكْذِبُ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ يَرْجُوهَا مِنْ وَرَاءِ كَذِبِهِ , وَلَوْ سُئِلَ لَقَالَ إنَّمَا كَذَبْت لِغَرَضِ كَذَا وَكَذَا أُرِيدُ تَحْصِيلَهُ , فَلَوْ جَازَ الْكَذِبُ لِتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ لَعَادَ كُلُّ كَذِبٍ مُبَاحًا وَيَكُونُ هَذَا قَلْبًا لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَإِخْرَاجًا لَهَا عَنْ وَضْعِهَا الَّذِي وُضِعَتْ عَلَيْهِ .
22 -التَّقِيَّةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِسَبَبِ إكْرَاهٍ بِتَهْدِيدِ الْمُسْلِمِ بِمَا يَضُرُّهُ مِنْ تَعْذِيبٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ , إنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا طُلِبَ مِنْهُ , وَإِمَّا أَنْ لَا تَكُونَ بِسَبَبِ إكْرَاهٍ . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا بِسَبَبِ إكْرَاهٍ , وَقَدْ تَمَّتْ شُرُوطُهُ , فَإِنَّ مَا أَنْشَأَهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ تَبَعًا لِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ , وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْقَتْلِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ , وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى لَمْ يَحِلَّ لَهُ , فَإِنْ فَعَلَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ , وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ . وَلَا يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا . وَهَذَا إجْمَالٌ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ ( إكْرَاهٌ ) . أَمَّا التَّقِيَّةُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْإِكْرَاهِ , بَلْ لِمُجَرَّدِ خَوْفِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَحِلَّ بِهِ الْأَذَى مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ صُنُوفِ الْأَذَى وَالضَّرَرِ فَهَذَا النَّوْعُ لَا يَحِلُّ بِهِ مَا يَحِلُّ بِالْإِكْرَاهِ . وَالتَّفْصِيلُ فِي إكْرَاهٍ .
مَا تَحِلُّ فِيهِ التَّقِيَّةُ:
23 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَحِلُّ فِيهِ التَّقِيَّةُ وَمَا لَا تَحِلُّ , فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ التَّقِيَّةَ خَاصَّةً بِالْقَوْلِ , وَلَا تَتَعَدَّى إلَى الْفِعْلِ , وَعَلَيْهِ فَلَا يُرَخَّصُ بِحَالٍ بِالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ بِزِنًى . وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَسَحْنُونٍ . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ سَوَاءٌ . وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلَافٍ يُعْرَفُ مِمَّا فِي بَحْثِ ( إكْرَاهٌ ) وَمِنْ التَّفْصِيلِ التَّالِي
أَكْلُ لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ:
24 -يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْلُ لَحْمِ الْمَيْتَةِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّقِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا لِأَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ , وَهِيَ مُفْسِدَةٌ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى حَالَ الضَّرُورَةِ مِنْ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِحَالَةِ الِاخْتِيَارِ , وَقَدْ تَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ هُنَا لِخَوْفِ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ . . فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى قُتِلَ يَكُونُ آثِمًا . وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا يَكُونُ آثِمًا .
التَّقِيَّةُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ: 26