تفسير اللباب لابن عادل - (ج 3 / ص 252)
قوله تعالى: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } : كقوله: { لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] وقد تقدَّم . وأل في « الدِّين » للعهد ، وقيل: عوضٌ من الإضافة أي « في دِينِ اللهِ » لقوله تعالى: { فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى } [ النازعات: 41 ] ، أي: تأوي .
والجمهور على إدغام دال « قَد » في تاء « تَبَيَّن » ؛ لأنها من مخرجها .
والرُّشد: مصدر رشد بفتح العين يرشد بضمِّها ، ومعناه في اللُّغة ، إصابة الخير . وقرأ الحسنُ « الرُّشُد » بضمتين كالعنق ، فيجوز أن يكون هذا أصله ، ويجوز أن يكون إتباعًا ، وهي مسألة خلاف أعني ضمَّ عين الفعل . وقرأ أبو عبد الرحمن الرَّشد بفتح الفاء والعين ، وهو مصدر رشد بكسر العين يرشد بفتحها ، وروي عن أبي عبد الرَّحمن أيضًا: « الرَّشَادُ » بالألف .
ومعنى الإكراه نسبتهم إلى كراهة الإسلام . قال الزَّجَّاج: « لاَ تَنْسُبوا إلى الكَرَاهَةِ مَنْ أَسْلَمَ مُكْرِهًا » ، يقال: « أَكْفَرَهُ » نسبه إلى الكفر؛ قال: [ الطويل ]
1186- وَطَائِفَةٌ قَدْ أَكْفَرُوني بِحُبِّهِمْ ... وَطَائِفَةٌ قَالُوا مُسِيٌ وَمُذنِبُ
قوله: { مِنَ الغي } متعلِّقٌ بتبيَّن ، و « مِنْ » للفصل ، والتمييز كقولك: ميَّزت هذا من ذاك . وقال أبو البقاء: « في موضع على أنَّه مفعولٌ » وليس بظاهرٍ؛ لأنَّ معنى كونه مفعولًا به غير لائقٍ بهذا المحلِّ . ولا محلِّ لهذه الجملة من الإعراب؛ لأنَّها استئنافٌ جارٍ مجرى التّعليل لعدم الإكراه في الدين .
والتّبيين: الظهور والوضوح ، بان الشَّيء ، واستبان ، وتبيَّين: إذا ظهر ووضح ومنه المثل: تَبَيَّنَ الصُّبح لذي عينين .
قال ابن الخطيب: وعندي أنَّ الإيضاح ، والتعريف ، إنَّما سمِّي بيانًا؛ لأنَّه يوقع الفصلة ، والبينونة بين المقصود وغيره .
والغيُّ: مصدر غوى بفتح العين قال: { فغوى } [ طه: 121 ] ، ويقال: « غَوَى الفَصِيلُ » إذا بَشِمَ ، وإذا جاع أيضًا ، فهو من الأضداد . وأصل الغيّ: « غَوْيٌ » فاجتمعت الياء والواو ، فأُدغمت نحو: ميّت وبابه .
والغيُّ: نقيض الرُّشد: يقال: غَوَى يَغْوِي ، غيًّا ، وغَوَايَةٌ إذا سلك خلاف طريق الرُّشد .
فصل في معنى « الدِّين » في الآية
قال القرطبيُّ: المراد « بالدِّينِ » في هذه الآية الكريمة المعتقد ، والملة بدليل قوله { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } .
قال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة ، لا يعيش لها ولد ، فكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنَّه فإذا عاش ولدها جعلته في اليهوديَّة . فلمَّا جاء الإسلام ، وفيهم منهم ، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عددٌ من أولاد الأنصار ، فأرادت الأنصار استردادهم ، وقالوا: أبناؤنا وإخواننا ، فنزلت: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « قَدْ خَيَّرَ اللهُ أَصْحَابَكُمْ ، فإن اخْتَارُوكم فهم منكم ، وإن اخْتَارُوهم ، فأجلوهم مَعَهمْ » .
وقال مجاهد: كان ناسٌ مسترضعين في اليهود من الأوس ، فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النّضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم: لنذهبنّ معهم ولندينن بدينهم ، فمنهم أهلوهم وأكرهوهم على الإسلام فنزلت { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين . . .} .
وقال مسروقٌ: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان متنصّران قبل مبعث النَّبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النَّصارى يحملون الطَّعام فلزمهما أبوهما ، وقال لا أدعكما حتى تسلما فأبيا أن يسلما فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: « يَا رَسُولَ الله أَيَدْخُلُ بعضي النَّار وأنا أَنْظُرُ ، فأنزل الله تعالى { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } ، فخلى سبيلهما .
وقال قتادة وعطاء: نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية ، وذلك أنَّ العرب كانت أُمَّة أمّية لم يكن لهم كتاب ، فلم يقبل منهم إلاَّ الإسلام ، فلما أسلموا طوعًا ، أو كرهًا؛ أنزل الله تعالى { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين } ؛ فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا ، أو يقرُّوا بالجزية ، فمن أعطى منهم الجزية ، لم يكره على الإسلام .
وقال ابن مسعود كان هذا في ابتداء الإسلام ، قبل أن يؤمر بالقتال ، فصارت منسوخة بآية السَّيف . ومعنى { تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } ، أي: تميَّز الحقّ من الباطل ، والإيمان من الكفر ، والهدى من الضّلالة بالحجج والآيات الظَّاهرة .
قوله: { بالطاغوت } متعلِّقٌ ب » يَكْفر « ، والطاغوت بناء مبالغةٍ كالجبروت والملكوت . واختلف فيه ، فقيل: هو مصدرٌ في الأصل ، ولذلك يوحَّد ويذكَّر ، كسائر المصادر الواقعة على الأعيان ، وهذا مذهب الفارسيّ ، وقيل: هو اسم جنس مفردٍ ، فلذلك لزم الإفراد والتَّذكير ، وهذا مذهب سيبويه رحمه الله . وقيل هو جمعٌ ، وهذا مذهب المبرّد ، وهو مؤنّث لقوله تعالى { والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت } [ البقرة: 257 ] قال أبو علي الفارسي: وليس الأمر كذلك ، لأن » الطَّاغُوتَ « مصدر كالرّغبوت ، والرَّهبوت ، والملكوت ، فكما أنَّ هذه الأسماء آحاد ، كذلك هذا الاسم مفردٌ ، وليس بجمع ومما يدلّ على أنَّه مصدر مفرد وليس بجمع قوله تبارك وتعالى: { أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت } ، فأفرد في موضع الجمع ، كما يقال هم رضًا ، وهم عدل انتهى . وهو مؤنَّث لقوله تعالى { والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا } [ الزمر: 17 ] .
وأجاب من ادَّعى التّذكير عن هذا الاستدلال بأنَّه إنما أنَّث هنا؛ لإرادة الآلهة وقال آخرون: ويكون مذكرًا ، ومؤنثًا ، وواحدًا وجمعًا قال تعالى في المذكر والواحد: { يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ } [ النساء: 60 ] قوال في المؤنث: { والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا } [ الزمر: 17 ] وقال في الجمع: { يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات } [ البقرة: 257 ] . واشتقاقه من طغَى يَطْغَى ، أو من طَغَا يَطْغُو ، على حسب ما تقدَّم أول السورة ، هل هو من ذوات الواو أو من ذوات الياء؟ وعلى كلا التّقديرين ، فأصله طَغَيُوت ، أو طَغَوُوت لقولهم: » طُغْيان « في معناه ، فقلبت الكلمة بأن قدِّمت اللاّم وأُخِّرت العين ، فتحرَّك حرف العلَّة ، وانفتح ما قبله فقلب ألفًا ، فوزنه الآن فلعوت ، وقيل: تاؤه ليست زائدةً ، وإنَّما هي بدلٌ من لام الكلمة ، ووزنه فاعول من الطُّغيان كقولهم » حانوت « ، و » تابوت « ، والتاء فيهما مبدلة من » هَا « التأنيث .قال مكي « وقد يجُوز أن يكون أصلُ لامه واوًا ، فيكون أصله طغووتًا؛ لأنه يقال: طَغَى يَطْغى ويَطْغو ، وطَغَيْتُ وطَغَوْتُ ، ومثله في القلب والاعتلال ، والوزن: حانوت؛ لأَنَّه من حَنا يحنو وأصله حَنَووت ، ثم قُلِب وأُعِلَّ ، ولا يجوزُ أن يكونَ من: حانَ يَحِين لقولهم في الجمعِ حَوانيت » انتهى قال شهاب الدين: كأنَّه لمَّا رأى أنَّ الواوَ قد تُبْدَل تاءً كما في تُجاه ، وتُخَمَة ، وتُراث ، وتُكَأة ، ادَّعى قَلْبَ الواوِ التي هي لامٌ تاءً ، وهذا ليس بشيءٍ .
وقدَّم ذِكْرَ الكفر بالطَّاغوت على ذِكْرِ الإِيمان باللهِ - تعالى - اهتمامًا بوجوبِ الكفرِ بالطَّاغوتِ ، وناسبَهَ اتصالُهُ بلفظ « الغَيّ » .
فصل في المراد بالطاغوت
واختلف في الطَّاغوت فقال عمر ، ومجاهدٌ ، وقتادة: هو الشَّيطان .
وقال سعيد بن جبير: هو الكاهن . وقال أبو العالية: هو الساحر . وقال بعضهم: الأَصنام .
وقيل مردة الجنّ والإنس ، وكلُّ ما يطغى الإِنسان .
وقيل: الطَّاغُوتُ هو كلّ ما عُبِدَ مِنْ دون الله ، وكان راضيًا بكونه معبُودًا ، فعلى هذا يكُونُ الشَّيطان والكهنة ، والسَّحرة ، وفرعون والنمروذ كلُّ واحد منهم طاغوتًا؛ لأنهم راضون بكونهم معبودين وتكونُ الملائكة ، وعزير ، وعيسى ليسوا بطواغيت ، لأنهم لم يرضوا بأن يكونوا معبودين .
قوله: { وَيْؤْمِن بالله } عطف على الشَّرط وقوله { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } جواب الشَّرط ، وفيه دليل على أنَّهُ لا بدّ للكافر من أن يتوب عن الكفر ، ثم يؤمنُ بعد ذلك .
وفيه دليل على أَنَّ درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح؛ لأنَّهُ قدّم الكُفر بالطَّاغوت[ على الإيمان باللهِ اهتمامًا به فإن قيل الإيمان باللهِ مستلزم لِلْكُفر بالطَّاغُوت .
قلنا: لا نسلم ، قد يكفر بالطَّاغوت ]ولا يؤمن بالله واستمسك أي: استمسك واعتصم { بالعروة الوثقى } أي العقد الوثيق المحكم في الدِّين .
و « العُرْوَة » : موضعُ شَدِّ الأَيدي ، وأصلُ المادّةِ يَدُلُّ على التَّعلُّق ، ومنه: عَرَوْتُه: أَلْمَمْتُ به متعلِّقًا ، وَاعتراه الهَمُّ: تعلَّق به ، و « الوُثْقى » : فُعْلى للتفضيل تأنيث الأوثق ، كفُضْلى تأنيث الأفضل ، وجمعُها على وُثَق نحو: كُبْرى وكُبَر ، فأمَّا « وُثُق » بضمّتين فجمع وَثيق . وهذا استعارة المحسُوس للمعقول؛ لأَنَّ من أراد إمساك هذا الدِّين تعلّق بالدلائل وأوضحها الدّالة عليه ، ولما كانت دلائِلُ الإِسلام أقوى الدَّلائل وأوضحها وصفها الله تبارك وتعالى بأَنَّها العروة الوثقى .
قال مجاهِدٌ: « العُرْوَةُ الوثقى » الإيمان .
وقال السُّدِّي: الإِسلام .
وقال ابن عباسٍ ، وسعيد بن جبير والضحاك: لا إِله إلاَّ الله .
قوله: { لاَ انفصام لَهَا } كقوله: { لاَ رَيْبَ فِيهِ } [ البقرة: 2 ] والجملةُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ:
أحدها: أن تكونَ استئنافًا ، فلا مَحَلَّ لها حينئذٍ .
والثاني: أنها حالٌ من العُرْوة ، والعاملُ فيها « اسْتَمْسَكَ » .
والثالث: أنها حالٌ من الضميرِ المستتر في « الوُثْقَى » . و « لها » في موضعِ الخبرِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ ، أي: كائنٌ لها . والانفصامُ - بالفَاءِ - القَطْعُ من غير بَيْنُونة ، والقصمُ بالقافِ قَطْعُ بينونةٍ ، وقد يُستعمل ما بالفاءِ مكانَ ما بالقافِ .
والمقصودُ من هذا اللَّفظ المُبالغةُ؛ لأَنَّهُ إذا لم يكن لها انفِصَام ، فأن لا يكون لها انقطاع أولى ، ومعنى الآية: بالعُرْوَة الوثقى التي لا انفصام لها ، والعرب تُضْمِرُ « الَّتي » و « الذي » و « مَن » وتكتفي بصلاتها منها .
قال سلامة بن جندل: [ البسيط ]
1187- وَالعَادِيَاتُ أَسَالِيُّ الدِّمَاءِ بِهَا ... كَأَنَّ أَعْنَاقَهَا أَنْصَابُ تَرْجِيبِ
يريد والعاديات التي قال تعالى: { وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات: 164 ] أي من له .
قوله: { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فيه قولان:
أحدهما: أنَّهُ تعالى يسمع قول من يتكلم بالشَّهادتين ، وقول من يتكلَّم بالكُفْر ، ويعلمُ ما في قلب المؤمِنِ من الاعتقاد الطاهر ، وما في قلب الكافر من الاعتقاد الخبيث .
الثاني: روى عطاء عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب إسلام أهل الكِتاب من اليهود الذين كانوا حول المدينة ، وكان يَسْأَلُ الله ذلك سِرًّا ، وعلانية ، فمعنى قوله { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يريدُ لدعائك يا محمَّد عليم بحرصك واجتهادك .