فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 1037

وَبَعْدَهُ , وَيَحْتَجُّونَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: { وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ } , فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ آتَاهُمْ الْكِتَابَ هُمْ بَنُو إسْرَائِيلَ ; وَبِحَدِيثِ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: ( لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُ نَصَارَى الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَلَّقُوا مِنْ دِينِهِمْ بِشَيْءٍ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْر ) أَمَّا الْآيَةُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى قَوْلِهِمْ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ آتَى بَنِي إسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَنْ انْتَحَلَ دِينَهُمْ فِي حُكْمِهِمْ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ , لقوله تعالى: { لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } , فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْهُمْ إلَّا بِالْوِلَايَةِ لَكَانُوا مِنْهُمْ وَقَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه فِي ذَلِكَ وَحَظْرُ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ , لَكِنْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَمَسِّكِينَ بِأَحْكَامِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ; لِأَنَّهُ قَالَ: إنَّهُمْ لَا يَتَعَلَّقُونَ مِنْ دِينِهِمْ إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ , وَلَمْ يَقُلْ: لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ; فَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يَكُونُونَ إلَّا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَإِنْ دَانُوا بِدِينِهِمْ قَوْلٌ سَاقِطٌ مَرْدُودٌ . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: { أَتَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا عَدِيُّ بْنَ حَاتِمٍ أَسْلِمْ تَسْلَمْ فَقُلْت لَهُ: إنَّ لِي دِينًا , فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِدِينِك مِنْك قُلْت: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ أَلَسْت رَكُوسِيًّا ؟ قَالَ: قُلْت بَلَى قَالَ: أَلَسْت تَرْأَسُ قَوْمَك ؟ قَالَ: قُلْت: بَلَى قَالَ: أَلَسْت تَأْخُذُ الْمِرْبَاعَ ؟ قَالَ: قُلْت: بَلَى قَالَ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لَك فِي دِينِك قَالَ: فَكَأَنِّي رَأَيْت أَنَّ عَلَيَّ بِهَا غَضَاضَةً , وَكَأَنِّي تَوَاضَعْت بِهَا . } وَرَوَى عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ غُطَيْفِ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: { أَتَيْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ ذَهَبٌ فَقَالَ: أَلْقَ هَذَا الْوَثَنَ عَنْك ثُمَّ قَرَأَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنَّا نَعْبُدُهُمْ قَالَ: أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَتُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ؟ قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ وَفِي هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ ضُرُوبٌ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا , أَحَدُهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَسَبَ إلَى مُتَّخِذِي الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ أَرْبَابًا وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى , وَلَمْ يَنْفِ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ عَرَبِيًّا , وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ:"أَلَسْت رَكُوسِيًّا"وَهُمْ صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى , فَلَمْ يُخْرِجْهُ عَنْهُمْ بِأَخْذِهِمْ الْمِرْبَاعَ , وَهُوَ رُبُعُ الْغَنِيمَةِ ; وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ دِينِ النَّصَارَى ; لِأَنَّ فِي دِينِهِمْ أَنَّ الْغَنَائِمَ لَا تَحِلُّ ; فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ التَّمَسُّكِ بِمَا يَنْتَحِلُهُ الْمُنْتَحِلُونَ لِلْأَدْيَانِ لَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ وَذَلِكَ الدِّينِ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ وَبَنِي إسْرَائِيلَ سَوَاءٌ فِيمَا يَنْتَحِلُونَ مِنْ دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَنَّهُمْ غَيْرُ مُخْتَلِفِي الْأَحْكَامِ ; وَلَمَّا لَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَمَّا انْتَحَلَهُ مِنْ دِينِ النَّصَارَى أَكَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْدَهُ وَنَسَبَهُ إلَى فِرْقَةٍ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ انْتَحَلَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ أَوْ بَعْدَهُ ; وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وفي المحلى:

47 -مَسْأَلَةٌ: وَحُجَّةُ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ قَامَتْ وَاسْتَبَانَتْ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَتْهُ النِّذَارَةُ مِنْ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَبَرٍّ وَفَاجِرٍ . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: { لَا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ } وَقَالَ تَعَالَى: { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مِنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } .

958 -مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْ كَافِرٍ إلَّا الْإِسْلَامُ , أَوْ السَّيْفُ - الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ - حَاشَا أَهْلَ الْكِتَابِ خَاصَّةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت