فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 1037

لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ سَعْيٌ فِي إهْلَاكِ نَفْسِهِ فَيَصْبِرُ تَحَامِيًا عَنْهُ . ثُمَّ إذَا أَلْقَى نَفْسَهُ فِي النَّارِ فَاحْتَرَقَ فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ بِاتِّفَاقِهِمْ , كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ . وَنَقَلَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْأَنْهُرِ أَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِلصَّاحِبَيْنِ . وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا: الزِّنَى , فَإِنَّهُ لَا يُرَخَّصُ فِيهِ مَعَ الْإِكْرَاهِ , كَمَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ , لِأَنَّ حُرْمَةَ الزِّنَى لَا تَرْتَفِعُ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ , فَإِذَا فَعَلَهُ إنْسَانٌ تَحْتَ تَأْثِيرِ الْإِكْرَاهِ كَانَ آثِمًا , وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ , لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُعْتَبَرُ شُبْهَةً , وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ . وَقَدْ أَوْرَدَ الْبَابَرْتِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ضَابِطًا لِأَثَرِ الْإِكْرَاهِ نَصُّهُ: الْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا سَوَاءٌ , أَكَانَ عَلَى الْقَوْلِ أَمْ الْفِعْلِ . وَالْإِكْرَاهُ غَيْرُ الْمُلْجِئِ إنْ كَانَ عَلَى فِعْلٍ فَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ , وَيُجْعَلُ كَأَنَّ الْمُكْرَهَ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ . وَإِنْ كَانَ عَلَى قَوْلٍ , فَإِنْ كَانَ قَوْلًا يَسْتَوِي فِيهِ الْجِدُّ وَالْهَزْلُ فَكَذَلِكَ , وَإِلَّا فَهُوَ مُعْتَبَرٌ .

أَثَرُ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ :

22 -يَخْتَلِفُ أَثَرُ الْإِكْرَاهِ عِنْدَهُمْ بِاخْتِلَافِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ: أ - فَإِنْ كَانَ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ عَقْدًا أَوْ حِلًّا أَوْ إقْرَارًا أَوْ يَمِينًا لَمْ يَلْزَمْ الْمُكْرَهَ شَيْءٌ , وَيَكُونُ الْإِكْرَاهُ فِي ذَلِكَ بِالتَّخْوِيفِ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ مُؤْلِمٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ قَيْدٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ عَلَى مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ . وَإِنْ أَجَازَ الْمُكْرَهُ ( بِالْفَتْحِ ) شَيْئًا مِمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ - غَيْرَ النِّكَاحِ - طَائِعًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ لَزِمَ عَلَى الْأَحْسَنِ , وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَا تَصِحُّ إجَازَتُهُ . ب - وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْكُفْرِ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ , أَوْ قَذْفِ الْمُسْلِمَ بِالزِّنَى , أَوْ الزِّنَى بِامْرَأَةٍ طَائِعَةٍ خَلِيَّةٍ ( غَيْرِ مُتَزَوِّجَةٍ ) , فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي حَالَةِ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ , لَا فِيمَا دُونَهُ مِنْ قَطْعٍ أَوْ سَجْنٍ وَنَحْوِهِ , فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ اُعْتُبِرَ مُرْتَدًّا , وَيُحَدُّ فِي قَذْفِ الْمُسْلِمِ , وَفِي الزِّنَى . ج - وَإِنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ , أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْهُ , أَوْ عَلَى زِنًى بِمُكْرَهَةٍ , أَوْ بِامْرَأَةٍ لَهَا زَوْجٌ , فَلَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ أُكْرِهَ بِالْقَتْلِ . فَإِنْ قَتَلَ يُقْتَصُّ مِنْهُ , وَيُعْتَبَرُ الْقَتْلُ هُنَا مَانِعًا لِلْقَاتِلِ مِنْ مِيرَاثِ الْمَقْتُولِ , لِأَنَّهُ شَرِيكٌ فِي الْفِعْلِ , وَكَذَلِكَ الْمُكْرِهُ ( بِالْكَسْرِ ) يُقْتَصُّ مِنْهُ أَيْضًا وَيُمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ . وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْمُكْرَهِ وَالْمُكْرِهِ , إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ شَخْصًا ثَالِثًا غَيْرَهُمَا . فَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ هُوَ الْمُكْرِهَ ( بِالْكَسْرِ ) كَمَا لَوْ قَالَ لِلَّذِي قَتَلَهُ: اُقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَقَتَلَهُ , فَلَا قِصَاصَ عِنْدَهُمْ وَتَجِبُ الدِّيَةُ , لِمَكَانِ الشُّبْهَةِ مِنْ نَاحِيَةٍ , وَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً لَا مِيرَاثًا . وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ قَتْلُهُ هُوَ الْمُكْرَهَ ( بِالْفَتْحِ ) , فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ , وَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ , إلَّا إذَا كَانَ التَّهْدِيدُ بِقَتْلٍ أَشْنَعَ , كَالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ وَبَتْرِ الْأَعْضَاءِ حَتَّى الْمَوْتِ , فَإِنَّ الْمُكْرَهَ ( بِالْفَتْحِ ) يَخْتَارُ أَهْوَنَ الْمِيتَتَيْنِ , جَزَمَ بِهِ اللَّقَانِيُّ . وَإِنْ زَنَى يُحَدُّ . د - وَأَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ - غَيْرِ الْكُفْرِ - لَا حَقَّ فِيهَا لِمَخْلُوقٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَأَكْلِهِ مَيْتَةً , أَوْ إبْطَالِ عِبَادَةٍ كَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ , أَوْ عَلَى تَرْكِهَا فَيَتَحَقَّقُ الْإِكْرَاهُ بِأَيَّةِ وَسِيلَةٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ . وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي الصَّوْمِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ . وَفِي الصَّلَاةِ يَكُونُ الْإِكْرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ الْمُسْقِطِ لِبَعْضِ أَرْكَانِهَا , وَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُهَا . وَفِي شُرْبِ الْخَمْرِ لَا يُقَامُ الْحَدُّ . وَأَلْحَقَ سَحْنُونٌ بِهَذَا النَّوْعِ الزِّنَى بِامْرَأَةٍ طَائِعَةٍ لَا زَوْجَ لَهَا , خِلَافًا لِلْمَذْهَبِ . وَيُضِيفُ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ يَسْقُطُ بِالْإِكْرَاهِ مُطْلَقًا , وَلَوْ كَانَ بِضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ لِأَنَّهُ شُبْهَةٌ تَدْرَأُ الْحَدَّ .

أَثَرُ الْإِكْرَاهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت