ولست أترك هذا الموضوع قبل أن أبين حقيقة مقررة في الشريعة الإسلامية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهي أن الشريعة نصت على أفعال معينة واعتبرتها جرائم، وأوجبت العقوبات عليها، ولم تجعل لولي الأمر حق العفو عن العقوبة أو الجريمة في بعض هذه الجرائم، وهي الحدود والقصاص، وجعلت له حق العفو عن الجريمة أو العقوبة في بعضها الآخر، وهي جرائم التعازير، كذلك ترك لولي الأمر أن يحرم كل الأفعال التي تقتضي مصلحة الجماعة والنظام العام تحريمها، وأهم هذه الأفعال هي الأفعال التي تخالف روح الشريعة أو مبادئها العامة، فإن رأى ولي الأمر أن المصلحة تقتضي تحريم فعل معين حرمه وعاقب عليه بعقوبة تعزيرية، وحق ولي الأمر في التحريم والعفو عن العقوبة أو الجريمة مقيد بالصالح العام والنظام العام؛ أي النظام الإسلامي وعلى هذا يمكن القول بأن كل الجرائم ذات الأساس الديني البحت لا خيار في العقاب عليها، لأن الجريمة إن كانت حدًا فلا محيص من العقاب عليها، وإن كانت الجريمة تعزيرًا فإن العفو عن العقوبة أو الجريمة مقيد بمصلحة النظام الإسلامي، ولا شك أن العفو في كل الأحوال يتنافى مع هذا النظام.
كذلك فإن ولي الأمر ملزم بتحريم كل ما يتنافى مع روح الإسلام ومبادئه العامة وفرض عقوبة عليه، فسلطان ولي الأمر في التحريم وعدم التحريم والعفو وعدم العفو مقرر لمصلحة النظام الإسلامي، وليس لمصلحة ولي الأمر ولا لأية مصلحة أخرى.
والعقوبة المقررة للجرائم الدينية إنما قررت لمصلحة النظام الإسلامي دون غيره، وما كان مقررًا لمصلحة نظام ما فلا يصح أن يجادل فيه من يريد إقامة هذا النظام، ولا يصح أن يتهاون في شأنه القائمون على أمر هذا النظام، ولا ضير في أن تخالف الشريعة الإسلامية القوانين الوضعية في العقاب على الجرائم الدينية، فإن الخلاف راجع إلى اختلاف طبيعة النظم، ولن يثني هذا الخلاف المسلمين عن تفصيل النظام الإسلامي على غيره من الأنظمة، كما لم يثن الشيوعيين عن تحبيذ الشيوعية وتفضيلها على غيرها من الأنظمة، مع أنها تخالف كل نظام وضعي أو سماوي وجد على وجه الأرض حتى اليوم، كما أنها لا تتفق مع طبائع الأشياء.
ولقد قلنا: إن الشريعة الإسلامية تقسم الجرائم إلى جرائم عامة تقع من كل الرعايا، وجرائم خاصة تقع من المسلمين دون غيرهم، وإن أساس هذه الجرائم الخاصة هو الدين. وقلنا: إن هذا المسلك غير غريب على القوانين الوضعية في اتجاهها الحديث وإن كانت لا تجعل أساس التفرقة الدين. وتفصيل ذلك أن القوانين الوضعية الحديثة لا تخلو من نصوص خاصة لا تنطبق إلا على بعض الأشخاص أو بعض الهيئات، كالنصوص التي تنطبق على القضاة دون غيرهم، أو على المحامين أو الأطباء، وهذه النصوص تحرم على بعض الأشخاص أو بعض الهيئات أفعالًا معينة، وتعاقب عليها بعقوبات خاصة، وتحريم بعض الأفعال على أشخاص أو فئات معينة يساوي ما فعلته الشريعة من عقاب المسلم على بعض الأفعال المحرمة عليه دون غيره، ومعنى ذلك أن القوانين الوضعية الحديثة قد اضطرت لحماية المصلحة الفردية والعامة أن تأخذ بالنظرية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية من أربعة عشر قرنًا لحماية مصالح الجماعة ونظامها العام.
التشريع الجنائي في الإسلام - (ج 2 / ص 47)
343 -الشروط الواجب توافرها في الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: رأينا فيما سبق أن جمهرة الفقهاء توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كافة أفراد الأمة لا على فئة معينة منها، ولكنهم مع ذلك يشترطون شروطًا خاصة فيمن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، وبعض هذه الشروط يرجع إلى طبيعة الواجب، وإلى مبادئ الشريعة العامة، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، وهي جميعًا لا تخرج عن خمسة شروط:
الشرط الأول: التكليف: يشترط فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون مكلفًا؛ أي مدركًا مختارًا، وهذا الشرط لازم إذا نظر إلى وجوب الأمر والنهي؛ لأن ترك القيام بالواجب يؤدي إلى مسئولية التارك، ولا مسئولية على غير مكلف طبقًا لقواعد الشريعة العامة، وعلى هذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باعتباره واجبًا لا يجب إلا على المكلف.
واعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا لا يمنع غير المكلف من الأمر والنهي باعتبارهما قربة من القربات (( 1 ) )؛ لأن غير المكلف أهل للقربات، وله أن يأتي القربات ولو أنها لا تجب عليه، ولا يجوز منعه من إتيانها، ولكن له هو إن شاء أن يمتنع من نفسه عن إتيانها، كصلاة الصغير وصومه، فإن الصلاة لا تجب عليه، وكذلك الصوم فإذا أتي أحدهما كان عمله قربة، ولم يجز لأحد أن يمنعه من الصلاة أو الصوم، لكن إذا شاء الصغير أن يمتنع فلا إثم عليه في الامتناع، وعلى هذا فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا لم يكن واجبًا على غير المكلف فهو حق له يأتيه إن شاء ويتركه إن شاء، فالصبي المراهق للبلوغ له - وإن لم يكن مكلفًا - إنكار المنكر، وله أن يريق الخمر ويكسر أدوات الملاهي، وإذا فعل ذلك نال به ثوابًا، ولم يكن لأحد منعه على اعتبار أنه غير مكلف به.
(1) إحياء علوم الدين المجلد الثاني ج7 ص14.
الشرط الثاني: الإيمان: يشترط فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون مؤمنًا بالدين الإسلامي، فالمسلم وحده هي الذي يقع على عاتقه واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما غير المسلم فلا يلتزم بهذا الواجب (( 1 ) ).