لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّوْمِ أَوْ يَخَافَ الْهَلَاكَ مِنْ الْمَرَضِ أَوْ الضَّعْفَ إنْ صَامَ , فَالْفِطْرُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ . الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الصَّوْمِ بِمَشَقَّةٍ , فَالْفِطْرُ لَهُ جَائِزٌ , وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مُسْتَحَبٌّ . الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقْدِرَ بِمَشَقَّةٍ , وَيَخَافُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ , فَفِي وُجُوبِ فِطْرِهِ قَوْلَانِ . الرَّابِعَةُ: أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَيْهِ , وَلَا يَخَافُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ , فَلَا يُفْطِرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , خِلَافًا لِابْنِ سِيرِينَ . وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَصْبَحَ الصَّحِيحُ صَائِمًا , ثُمَّ مَرِضَ , جَازَ لَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ , لِأَنَّهُ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ لِلضَّرُورَةِ , وَالضَّرُورَةُ مَوْجُودَةٌ , فَجَازَ لَهُ الْفِطْرُ .
66 -الْإِكْرَاهُ: حَمْلُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ , عَلَى فِعْلِ أَوْ تَرْكِ مَا لَا يَرْضَاهُ بِالْوَعِيدِ . وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ , أَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ قَضَى . قَالُوا: إذَا أُكْرِهَ الصَّائِمُ بِالْقَتْلِ عَلَى الْفِطْرِ , بِتَنَاوُلِ الطَّعَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ , وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ , فَمُرَخَّصٌ لَهُ بِهِ , وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ , حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْطَارِ حَتَّى قُتِلَ , يُثَابُ عَلَيْهِ , لِأَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ , وَأَثَرُ الرُّخْصَةِ فِي الْإِكْرَاهِ هُوَ سُقُوطُ الْمَأْثَمِ بِالتَّرْكِ , لَا فِي سُقُوطِ الْوُجُوبِ , بَلْ بَقِيَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا , وَالتَّرْكُ حَرَامًا , وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا , وَالتَّرْكُ حَرَامًا , كَانَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى قَائِمًا , فَهُوَ بِالِامْتِنَاعِ بَذَلَ نَفْسَهُ لِإِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى , طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ , فَكَانَ مُجَاهِدًا فِي دِينِهِ , فَيُثَابُ عَلَيْهِ . وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُكْرَهُ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا , فَالْإِكْرَاهُ - كَمَا يَقُولُ الْكَاسَانِيُّ - حِينَئِذٍ مُبِيحٌ مُطْلَقٌ , فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا , بَلْ مُوجِبٌ , وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِفْطَارُ , بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ , وَلَا يَسَعُهُ أَنْ لَا يُفْطِرَ , حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ , فَقُتِلَ , يَأْثَمُ . وَوَجْهُ الْفَرْقِ: أَنَّ فِي الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ كَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا قَبْلَ الْإِكْرَاهِ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةِ التَّرْكِ أَصْلًا , فَإِذَا جَاءَ الْإِكْرَاهُ - وَهُوَ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الرُّخْصَةِ - كَانَ أَثَرُهُ فِي إثْبَاتِ رُخْصَةِ التَّرْكِ , لَا فِي إسْقَاطِ الْوُجُوبِ . وَأَمَّا فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ , فَالْوُجُوبُ مَعَ رُخْصَةِ التَّرْكِ , كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْإِكْرَاهِ , فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْإِكْرَاهِ أَثَرٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَهُ , وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا إسْقَاطُ الْوُجُوبِ رَأْسًا , وَإِثْبَاتُ الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ , فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ , وَهُنَاكَ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ , بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ , فَكَذَا هُنَا . وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ , وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْوَطْءِ: فَقَالُوا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْأَكْلِ: لَوْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ أَوْ شَرِبَ لَمْ يُفْطِرْ , كَمَا لَوْ أَوْجَرَ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا , لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى اخْتِيَارِهِ سَاقِطٌ لِعَدَمِ وُجُودِ الِاخْتِيَارِ . أَمَّا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْوَطْءِ زِنًى , فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ , فَيُفْطِرُ بِهِ , بِخِلَافِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ . وَاعْتَمَدَ الْعَزِيزِيُّ الْإِطْلَاقَ , وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ عَدَمَ الْإِفْطَارِ , لِشُبْهَةِ الْإِكْرَاهِ , عَلَى الْوَطْءِ , وَالْحُرْمَةُ مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ , فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِفْطَارِ مُطْلَقًا بِالْوَطْءِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ , إذَا فَعَلَهُ الْمُكْرَهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ , وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إلَّا فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِفْطَارِ بِالزِّنَى , فَإِنَّ فِيهِ وَجْهًا بِالْإِفْطَارِ وَالْقَضَاءِ عِنْدَهُمْ . وَهَذَا الْإِطْلَاقُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ , هُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا: فَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْفِعْلِ , أَوْ فُعِلَ بِهِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ , بِأَنْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ , مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا , كَمَا لَوْ أُوجِرَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةً , لَا يُفْطِرُ , وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ , لِحَدِيثِ: { وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ } . مُلْحَقَاتٌ بِالْعَوَارِضِ 67 - يُمْكِنُ إلْحَاقُ مَا يَلِي , مِنْ الْأَعْذَارِ , بِالْعَوَارِضِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ , وَأَقَرُّوهَا وَأَفْرَدُوا لَهَا أَحْكَامًا كُلَّمَا عَرَضَتْ فِي الصَّوْمِ , كَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالسُّكْرِ وَالنَّوْمِ وَالرِّدَّةِ وَالْغَفْلَةِ . وَأَحْكَامُهُمَا تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحَاتِهَا .
مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَيُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ: