55 -الْمُرَادُ بِالْعَوَارِضِ: مَا يُبِيحُ عَدَمَ الصَّوْمِ . وَهِيَ: الْمَرَضُ , وَالسَّفَرُ , وَالْحَمْلُ , وَالرَّضَاعُ , وَالْهَرَمُ , وَإِرْهَاقُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ , وَالْإِكْرَاهُ . أَوَّلًا: ( الْمَرَضُ ) : 56 - الْمَرَضُ هُوَ: كُلُّ مَا خَرَجَ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الصِّحَّةِ مِنْ عِلَّةٍ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ فِي الْجُمْلَةِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } . وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله تعالى عنه قَالَ:"لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ , يُفْطِرُ وَيَفْتَدِي , حَتَّى أُنْزِلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا يَعْنِي قوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ , هُدًى لِلنَّاسِ , وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ , فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ , وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } فَنَسَخَتْهَا . فَالْمَرِيضُ الَّذِي يَخَافُ زِيَادَةَ مَرَضِهِ بِالصَّوْمِ أَوْ إبْطَاءَ الْبُرْءِ أَوْ فَسَادَ عُضْوٍ , لَهُ أَنْ يُفْطِرَ , بَلْ يُسَنُّ فِطْرُهُ , وَيُكْرَهُ إتْمَامُهُ , لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ , فَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ . ثُمَّ إنَّ شِدَّةَ الْمَرَضِ تُجِيزُ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ . أَمَّا الصَّحِيحُ إذَا خَافَ الشِّدَّةَ أَوْ التَّعَبَ , فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ , إذَا حَصَلَ لَهُ بِالصَّوْمِ مُجَرَّدُ شِدَّةِ تَعَبٍ , هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ فِطْرِهِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إذَا خَافَ الصَّحِيحُ الْمَرَضَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فَلَهُ الْفِطْرُ , فَإِنْ خَافَهُ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ , فَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إذَا خَافَ حُصُولَ أَصْلِ الْمَرَضِ بِصَوْمِهِ , فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ - عَلَى الْمَشْهُورِ - إذْ لَعَلَّهُ لَا يَنْزِلُ بِهِ الْمَرَضُ إذَا صَامَ . وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ . فَإِنْ خَافَ كُلٌّ مِنْ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ بِصَوْمِهِ , وَجَبَ الْفِطْرُ . وَكَذَا لَوْ خَافَ أَذًى شَدِيدًا , كَتَعْطِيلِ مَنْفَعَةٍ , مِنْ سَمْعٍ أَوْ بَصَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا , لِأَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ وَالْمَنَافِعِ وَاجِبٌ , وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَهْدِ الشَّدِيدِ , فَإِنَّهُ يُبِيحُ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ , قِيلَ: وَالصَّحِيحِ أَيْضًا . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إنَّ الْمَرِيضَ - وَإِنْ تَعَدَّى بِفِعْلِ مَا أَمْرَضَهُ - يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الصَّوْمِ , إذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا , لَكِنَّهُمْ شَرَطُوا لِجَوَازِ فِطْرِهِ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ - كَمَا قَالَ الرَّمْلِيُّ وَاعْتَمَدَهُ - وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْمَرَضِ الْمُطْبَقِ , وَبَيْنَ الْمَرَضِ الْمُتَقَطِّعِ: فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مُطْبَقًا , فَلَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ . وَإِنْ كَانَ يُحَمُّ وَيَنْقَطِعُ , نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ مَحْمُومًا وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ , فَلَهُ تَرْكُ النِّيَّةِ , وَإِلَّا فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ مِنْ اللَّيْلِ , فَإِنْ احْتَاجَ إلَى الْإِفْطَارِ أَفْطَرَ . وَمِثْلُ ذَلِكَ الْحَصَادُ وَالْبِنَاءُ وَالْحَارِسُ - وَلَوْ مُتَبَرِّعًا - فَتَجِبُ عَلَيْهِمْ النِّيَّةُ لَيْلًا , ثُمَّ إنْ لَحِقَتْهُمْ مَشَقَّةٌ أَفْطَرُوا . قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى حَالَةٍ لَا يُمْكِنُهُ فِيهَا الصَّوْمُ , بَلْ قَالَ أَصْحَابُنَا: شَرْطُ إبَاحَةِ الْفِطْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ يَشُقُّ احْتِمَالُهَا , وَأَمَّا الْمَرَضُ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَلْحَقُ بِهِ مَشَقَّةٌ ظَاهِرُهُ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ , بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا , خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ . وَخَوْفُ الضَّرَرِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ , أَمَّا خَوْفُ التَّلَفِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الصَّوْمَ مَكْرُوهًا , وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِحُرْمَتِهِ , وَلَا خِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ , لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ , كَمَا لَوْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ . قَالُوا: وَلَوْ تَحَمَّلَ الْمَرِيضُ الضَّرَرَ , وَصَامَ مَعَهُ , فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا , لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِنَفْسِهِ , وَتَرْكِهِ تَخْفِيفًا مِنْ اللَّهِ وَقَبُولَ رُخْصَتِهِ , لَكِنْ يَصِحُّ صَوْمُهُ وَيُجْزِئُهُ , لِأَنَّهُ عَزِيمَةٌ أُبِيحَ تَرْكُهَا رُخْصَةً , فَإِذَا تَحَمَّلَهُ أَجْزَأَهُ , لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ , كَمَا أَتَمَّ الْمُسَافِرُ , وَكَالْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ , إذَا حَضَرَهَا . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَلَوْ خَافَ تَلَفًا بِصَوْمِهِ , كُرِهَ , وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ . وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي الْإِجْزَاءِ . وَلَخَصَّ ابْنُ جُزَيٍّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَحْوَالَ الْمَرِيضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّوْمِ , وَقَالَ: لِلْمَرِيضِ أَحْوَالٌ: الْأُولَى: أَنْ"