.عِلْمًا بِأَنَّ مَذْهَبَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ اعْتِبَارُ نِصْفِ النَّهَارِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ وَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ , وَيَبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا شُفِيَ , وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يَتَلَوَّثُ بِهِ الْمَسْجِدُ كَالْقَيْءِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ . أَمَّا الْخُرُوجُ حَالَةَ الْإِغْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الِاعْتِكَافَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا , لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِاخْتِيَارِهِ . قَالَ الْكَاسَانِيُّ: وَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَيَّامًا , أَوْ أَصَابَهُ لَمَمٌ ( جُنُونٌ ) فَسَدَ اعْتِكَافُهُ , وَعَلَيْهِ إذَا بَرَأَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ , لِأَنَّهُ لَزِمَهُ مُتَتَابِعًا . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْمَرَضَ وَالْإِغْمَاءَ يُحْسَبَانِ مِنْ الِاعْتِكَافِ وَفِي مَعْنَى الْمَرَضِ هَذَا , الْخَوْفُ مِنْ لِصٍّ أَوْ حَرِيقٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . ط - الْخُرُوجُ لِانْهِدَامِ الْمَسْجِدِ: 38 - إذَا انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ فَخَرَجَ مِنْهُ لِيُقِيمَ اعْتِكَافَهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْسَانًا , وَكَذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ . ي - الْخُرُوجُ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ: 39 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ بِسَبَبِ الْإِكْرَاهِ لِحُكُومَةٍ لَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ قَبْلَ تَمَامِ الِاعْتِكَافِ . إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ إذَا دَخَلَ الْمُعْتَكِفُ مَسْجِدًا آخَرَ مِنْ سَاعَتِهِ . وَهَذَا اسْتِحْبَابٌ مِنْهُمْ , أَمَّا إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَسْجِدًا آخَرَ , فَيَبْقَى الْحُكْمُ عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ وَهُوَ الْبُطْلَانُ . ك - خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ بِغَيْرِ عُذْرٍ: 40 - تَقَدَّمَ أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ إنْ كَانَ بِعُذْرٍ طَبِيعِيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ . أَمَّا إذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ بِدُونِ عُذْرٍ فَسَدَ اعْتِكَافُهُ - حَسَبَ اعْتِبَارِ الْفُقَهَاءِ لِلْعُذْرِ وَعَدَمِهِ - وَلَوْ كَانَ زَمَنُ الْخُرُوجِ يَسِيرًا , إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ , فَإِنَّهُمَا قَيَّدَا زَمَنَ الْمُفْسِدِ بِأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ . ل - حَدُّ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ: 41 - حَدُّ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ بِجَمِيعِ جَسَدِهِ , فَإِنْ خَرَجَ بِبَعْضِهِ لَمْ يَضُرَّ , لِقَوْلِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا فِي حُجْرَتِي , فَأُرَجِّلُ رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ } . م - مَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَمَا لَا يُعْتَبَرُ: 42 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَسْجِدِ الَّذِي يَصِحُّ فِيهِ الِاعْتِكَافُ , مَا كَانَ بِنَاءً مُعَدًّا لِلصَّلَاةِ فِيهِ . أَمَّا رَحْبَةُ الْمَسْجِدِ , وَهِيَ سَاحَتُهُ الَّتِي زِيدَتْ بِالْقُرْبِ مِنْ الْمَسْجِدِ لِتَوْسِعَتِهِ , وَكَانَتْ مُحَجَّرًا عَلَيْهَا , فَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ , وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مِنْ الْمَسْجِدِ , وَجَمَعَ أَبُو يَعْلَى بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّ الرَّحْبَةَ الْمَحُوطَةَ وَعَلَيْهَا بَابٌ هِيَ مِنْ الْمَسْجِدِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ رَحْبَةَ الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَسْجِدِ , فَلَوْ اعْتَكَفَ فِيهَا صَحَّ اعْتِكَافُهُ , وَأَمَّا سَطْحُ الْمَسْجِدِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ صُعُودُ سَطْحِ الْمَسْجِدِ , وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا . أَمَّا الْمَنَارَةُ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِهَا فِيهِ فَهِيَ مِنْ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ . وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ فَهِيَ مِنْهُ , وَيَصِحُّ فِيهَا الِاعْتِكَافُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ . وَإِنْ كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ أَذَانُ الْمُعْتَكِفِ فِيهَا , سَوَاءٌ أَكَانَ مُؤَذِّنًا أَمْ غَيْرَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ , وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ وَغَيْرِهِ , فَيَجُوزُ لِلرَّاتِبِ الْأَذَانُ فِيهَا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ دُونَ غَيْرِهِ , قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ .