55 -اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ . وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ السَّرِقَةَ تَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ يَجُوزُ إثْبَاتُهَا بِالْقَرَائِنِ .
أَوَّلًا - الْإِقْرَارُ: 56 - تَثْبُتُ السَّرِقَةُ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ إذَا كَانَ مُكَلَّفًا بِأَنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا , عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي سَبَقَ . وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ السَّارِقَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فِي إقْرَارِهِ , فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِقْرَارِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ نَحْوِهِمَا , فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذَا الْإِقْرَارِ . وَقَدْ أَفْتَى بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ بِصِحَّةِ إقْرَارِ السَّارِقِ مَعَ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّ السُّرَّاقَ قَدْ غَدَوْا لَا يُقِرُّونَ طَائِعِينَ . وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يُعْمَلُ بِإِقْرَارِ الْمُتَّهَمِ مَعَ الْإِكْرَاهِ إنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ . وَيَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ بِالسَّرِقَةِ نَاطِقًا , وَلِهَذَا فَإِنَّهُمْ لَا يَعْتَدُّونَ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ , وَلَوْ كَانَتْ مُفْهِمَةً ; لِاحْتِمَالِ إشَارَتِهِ الْإِقْرَارَ وَغَيْرَهُ , وَهَذَا يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ . وَيَرَى الْجُمْهُورُ صِحَّةَ إقْرَارِهِ , إنْ كَانَتْ إشَارَتُهُ مُفْهِمَةً قَبْلَ هَذَا الْإِقْرَارِ . وَلَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ كَافِيًا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ , إلَّا إذَا كَانَ صَرِيحًا وَتَبَيَّنَ الْقَاضِي مِنْهُ تَوَافُرَ أَرْكَانِ السَّرِقَةِ , بِحَيْثُ لَا تَبْقَى مَعَهُ أَيُّ شُبْهَةٍ . وَاشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَصْدُرَ الْإِقْرَارُ عِنْدَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ إقَامَةِ الْحَدِّ , فَلَا يُعْتَدُّ بِالْإِقْرَارِ الصَّادِرِ عِنْدَ غَيْرِهِ , وَلَا بِالْإِقْرَارِ قَبْلَ الدَّعْوَى . 57 - وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ الْإِقْرَارِ الَّتِي تُوجِبُ إقَامَةَ حَدِّ السَّرِقَةِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ , وَالشَّافِعِيَّةُ وَعَطَاءٌ , وَالثَّوْرِيُّ , يَكْتَفُونَ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ مَرَّةً وَاحِدَةً , لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم { قَطَعَ سَارِقَ خَمِيصَةِ صَفْوَانَ وَسَارِقَ الْمِجَنِّ } , وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ ; وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحُقُوقِ يَكْتَفِي بِإِيرَادِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ; وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ تَرَجَّحَ فِيهِ جَانِبُ الصِّدْقِ عَلَى جَانِبِ الْكَذِبِ , فَلَنْ يَزِيدَهُ التَّكْرَارُ رُجْحَانًا . أَمَّا أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ , وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى , وَالْحَنَابِلَةُ , وَابْنُ أَبِي لَيْلَى , وَابْنُ شُبْرُمَةَ , فَإِنَّهُمْ يُوجِبُونَ صُدُورَ الْإِقْرَارِ مَرَّتَيْنِ , فِي مَجْلِسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , فَإِنْ أَقَرَّ السَّارِقُ مَرَّةً وَاحِدَةً , لَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ , وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ . لِأَنَّ { النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ قَدْ اعْتَرَفَ , وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ , فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَا أَخَالُك سَرَقْت فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا , وَلَمْ يَقْطَعْهُ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَكَرَّرَ إقْرَارُهُ } , فَلَوْ كَانَ الْقَطْعُ يَجِبُ بِالْإِقْرَارِ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمَا أَخَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم . 58 - وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ الْخُصُومَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ: فَالْحَنَفِيَّةُ - مَا عَدَا أَبَا يُوسُفَ - وَالشَّافِعِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ , يَشْتَرِطُونَ لِقَبُولِ الْإِقْرَارِ مُطَالَبَةَ مَنْ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالْمَسْرُوقِ ; لِأَنَّ عَدَمَ مُطَالَبَتِهِ يُورِثُ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْحَدَّ , وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: لَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ مَالٍ مِنْ مَجْهُولٍ أَوْ مِنْ غَائِبٍ . وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ , وَالْمَالِكِيَّةُ , وَأَبُو ثَوْرٍ , وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى عَدَمَ تَوَقُّفِ إقَامَةِ حَدِّ السَّرِقَةِ عَلَى دَعْوَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ , لِعُمُومِ آيَةِ السَّرِقَةِ , وَعَدَمِ وُجُودِ مَا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِهَذَا الْعُمُومِ , وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ يُقِرُّ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ مِنْ مَجْهُولٍ أَوْ غَائِبٍ إذَا ثَبَتَتْ السَّرِقَةُ ; لِأَنَّ الْمُقِرَّ لَا يُتَّهَمُ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى نَفْسِهِ .