20 -وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ قَضَاءِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ عِنْدَ إفْسَادِهِ . فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إلَى وُجُوبِ قَضَاءِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ عِنْدَ إفْسَادِهِ . لِمَا رَوَتْ { عَائِشَةُ رضي الله تعالى عنها أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْت أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ , فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ , فَأَكَلْنَا مِنْهُ , فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبَدَرَتْنِي إلَيْهِ حَفْصَةُ - وَكَانَتْ ابْنَةَ أَبِيهَا - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ , فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ , فَقَالَ: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ } . وَلِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ قُرْبَةً , فَيَجِبُ صِيَانَتُهُ وَحِفْظُهُ عَنْ الْبُطْلَانِ , وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الْإِفْسَادِ لقوله تعالى: { وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } , وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِإِتْيَانِ الْبَاقِي , فَيَجِبُ إتْمَامُهُ , وَقَضَاؤُهُ عِنْدَ الْإِفْسَادِ ضَرُورَةً , فَصَارَ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ التَّطَوُّعَيْنِ . وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْإِفْسَادِ مُطْلَقًا , أَيْ: سَوَاءٌ أَفْسَدَ عَنْ قَصْدٍ - وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ - أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ , بِأَنْ عَرَضَ الْحَيْضُ لِلصَّائِمَةِ الْمُتَطَوِّعَةِ وَذَلِكَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ , وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ: صَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ , فَلَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ , لَا أَدَاءً وَلَا قَضَاءً , إذَا أَفْسَدَ , لِارْتِكَابِهِ النَّهْيَ بِصِيَامِهَا , فَلَا تَجِبُ صِيَانَتُهُ , بَلْ يَجِبُ إبْطَالُهُ , وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ يَنْبَنِي عَلَى وُجُوبِ الصِّيَانَةِ , فَلَمْ يَجِبْ قَضَاءً , كَمَا لَمْ يَجِبْ أَدَاءً . وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ الْحَرَامِ , وَذَلِكَ كَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ , ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ , قَالَ الْحَطَّابُ: احْتَرَزَ بِالْعَمْدِ مِنْ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ , وَبِالْحَرَامِ: عَمَّنْ أَفْطَرَ لِشِدَّةِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَرِّ الَّذِي يَخَافُ مِنْهُ تَجَدُّدَ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتَهُ , وَكَذَلِكَ عَمَّنْ أَفْطَرَ لِأَمْرِ وَالِدَيْهِ وَشَيْخِهِ , وَعَدُّوا السَّفَرَ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ الْفِطْرِ الْعَمْدِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ , لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا , لَمْ يَكُنْ الْقَضَاءُ وَاجِبًا , لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ الْقَضَاءُ , سَوَاءٌ أَفْسَدَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ , خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ قَضَاءَهُ . وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَفْطَرَ الصَّائِمُ تَطَوُّعًا لَمْ يُثَبْ عَلَى مَا مَضَى , إنْ خَرَجَ مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ , وَيُثَابُ عَلَيْهِ إنْ خَرَجَ بِعُذْرٍ .